د. عز الدين عناية
تنحاز مضامين كتاب «الإيلاف الثقافي.. جدل الشرق والغرب» إلى ذلك الدور الفاعل للثقافة، المتطلِّع إلى ترسيخ مؤتلَف جامع بين الشرق والغرب. ولا يعني التطلّع إلى ذلك المؤتلف التخلّي عن أدوات التحليل والنقد والتصحيح، أو الركون إلى دعوة أخلاقية ساذجة أو مثالية حالمة، بل يعوّل على مقدرات القوة الناعمة المنطوية في عالم الثقافة، وعلى إمكانيات أصحاب القلم، والفكر، والرأي، في تغيير وجه العالم، ومنح أمل جديد في علاقة الحضارات ببعضها بعضاً.
ويعالج هذا الكتاب جملة من القضايا ذات الصلة بموضوع الثقافة والمثقَّفين، سواء في البلاد العربية أو في الغرب، وما يصحب ذلك من آمال معلَّقة على المثاقَفة، بقصد إيجاد مؤتلَف جامع. هذا وقد جاء تناوُلُ تلك القضايا على شكل مواضيعَ مستقلّةٍ، يمكن قراءتها على نحو متّصل أو منفصِل، يتَعقّب الكتاب من خلالها قضايا على غرار التشوّف الثقافيّ نحو الغرب، ومعوّقات الاستِعْرَاب الناشئ في بعض الجامعات الغربية، ومستلزَمات التعدّدية الثقافية داخل الاجتماع، وما شابهها من قضايا، ضمن مراجَعات في منهج التناظر وتقفّي التحوّلات الجارية لدى الجانبين، العربيّ والغربيّ، بفعل ترابط الوقائع والمصائر.
ويُطلّ عبر محاور الكتاب المثقّف بأوجه متعددة، وبأدوار مختلفة إلى حد التباين. فلا يقنع المؤلف بتحليل صنف المثقف العربي في نظرته إلى الغرب، أو المثقف البَيْني، ذي الأصول العربية، المقيم أو المستوطن في الغرب، أو كذلك المثقف الغربي المشتغل على الحضارة العربية والمنشغل بتحولاتها، بل يتخطى كل ذلك إلى متابعة السياسات الثقافية المتحكمة في اللعبة الثقافية برمّتها، وأشكال المقاوَلات المنساقة وفق خيارات إيديولوجية، وضمن تدافع حضاري يصل مداه بين الشرق والغرب. ولعلّ ما ساعد المؤلف على متابعة هذه التلونات للمثقف هو إلمامه واحتكاكه المباشر، في الآن نفسه، بهذه التجارب. فلا يعتمد الرصدُ التحليلَ النظري، بل يستدعي الكاتب تجاربَ معيشية، عاشها خلال رحلة عيشه في العالمين العربي والغربي، وهو ما يضفي على الكتاب نوعاً من الحيوية والواقعية قد تفتقدها دراسات المثقف العربي للغرب.
الأيقونات المعوْلَمة
وممّا يَلوح بيّناً في الحقبة الراهنة تحكّمُ الغرب النيوليبرالي في لعبة المعنى، وصناعة المفاهيم، وعمليات التأثير، على نطاق واسع، بموجب ما يملكه من قُدُرات وإمكانيات، تخوِّلُه توجيه الأذواق، وصنع الآراء بشكل مؤثّر. هذا في وقت لا يُقدِّر فيه كثير من كُتّاب عالم الجنوب ومثقّفيه تلك الهيمنة حقّ قدرها، لِما لديهم من نظرة طُهريّة عن السياسة الثقافية العالمية، التي يمسك بمعظم مقاليدها الغرب، ويوجّه من خلالها قطاعات واسعة. فهو من يُصنِّع الأيقونات المعوْلَمة متى شاء، ويلغيها متى شاء، وِفق أهداف مضبوطة ومواقيت معلومة. ومن تبعات ذلك الوضع، أن بات الإبداع المنجَز تحت الطلب، ووِفْقَ المعايير المحدَّدة، بمثابة المنتوج المعلَّب. لِما يفتقر إليه من روح العفويّة، وانحراف باستقلالية النظر، وحصْرٍ لدوْرِ المثقّف. ولكن الأخطر في العملية، أنّ تسويقَ المنتوج الثقافيّ، بمختلف أصنافه، ومن ثَمَّ إكساب صاحبه سلطة معنوية، قد بات رهين القيام بدوْرٍ وظيفيّ. فكيف ينفلت المثقّف، في الشرق أو في الغرب، من هذا الأسْرَ المستقوي بالإكراه المصلحيّ، والتكسّب المعيشيّ؟ تبدو تحدّيات العاملِين في قطاع الثقافة في الظرف الراهن عويصة، ولاسيما مع الذين يعوّلون على دور للثقافة في تغيير وجه العالم.
الهويات المركَّبة
وفي هذه السياق يعالج الكتاب قضية في منتهى الأهمية على صلة بما يطلق عليه وصف «المثقف في زمن الهويات المركَّبة». ففي هذا التفاعل الثقافيّ الجاري بين الضفّتين، يجد المثقف العربيّ المهجريّ نفسَه ماديّاً مرتبطاً بواقعه الجديد، ومعرفيّاً في معترك زخم مشرَع على عالميْن ثقافييْن. وبفعلِ وعيِه المركَّب، العربيّ/ الغربيّ، قد يجد نفسه في مأزق، بفعل انتمائِه المزدوَج، لا سبيل إلى تخطّيه سوى بوساطة وعيٍ تحليليٍّ نقديٍّ عميق سواء كان لماضيه السّالف أو لحاضِره الرّاهن. فليس المثقّفُ العربيُّ الغربيُّ نصيرَ نمط حضاريّ دخيل، أو لسانَ دفاع عن حضارة مظلومة، بل مساهم في حراك ثقافيّ في الواقع الذي ينتمي إليه برؤية متّزنة وواقعيّة تُجافي الإجحافَ أو الانتصارَ المجاني لهذا الطرفِ دون ذاك.
نقض الأساطير
كما يحاول الكتاب أن ينقض جملة من الأساطير التي قد يُخيَّل من خلالها أنّ المثقفَ العربيّ في الغرب في أريحية من أمره، وهو يعيش في أحضان مجتمعاتٍ ديمقراطيةٍ وعلمانية مفتوحة، بل هناك ضغوطات متنوّعة يقع المثقف عرضةً لها سواء كان في مجاله الأكاديميّ المنضوي تحت أحد فروعه أو في وسطه الثقافيّ العامل فيه والمنتمي إلى أحد شُعبه. فأن تنتميَ إلى وسطٍ أكاديميّ، أو مؤسَّسة ثقافية غربية، يعني أن تتبنّى الخطَّ العامَ السائد في ذلك الحيزِ، بما قد يُمثّله هذا من توجّهاتٍ إيديولوجية وفكرية والتزامات مهنية. وبالمثلِ فأن تنتميَ إلى فئة اجتماعيةٍ وحضاريةٍ، وافدة على الغرب الحديث، وتبدي انتقاداً للتمييزِ أو الانتهاك أو الدونيّةِ المنبعِثة من الحاضنة الكبرى، يعني أنّك في صفّ مهدّدي النموذج العام. ولذلك غالباً ما تفرض أجواءُ التدافعِ بين الغرب والعرب، بسبب أوضاع التوتر السياسيّة والأمنيّة، على المثقّفِ المهجريّ بلورة موقف ممّا يجري، يعبّر في الحقيقة عن فحوى رؤية معيّنة يتحوّل إلى معيار لتحديد موقعه. وتلك الهشاشة التي تطوق المثقف المهاجر/ المستوطن، تقتضي أحياناً البوح والاعتراف بحثاً عن إرساء علاقة سوية مع الذات والمكان.
الاختلاف والائتلاف
لقد مسّت التحوُّلات الجارفةُ الجغرافيا التقليديّةَ للثقافات، بما يتجلّى في ظهور المثقّف الكوسموبوليتيّ، ذي الطابع الكونيّ. وقد أشير إلى ذلك في ثنايا الكتاب، من خلال تَوَلُّد ملامح المثقّف العربيّ الغربيّ في المَهجَر. وهو ما يدعم بوضوح ميْل الشعوب إلى تعزيز التقارب بينها، والتطلّع إلى تجسير سُبُل التواصل، بحثاً عن تقليص مساحة الاختلاف ودعْم بديل الائتلاف. فأيّ دور للرأسمال الثقافيّ في ذلك؟ وكيف السبيل إلى إعادة استثمار الرّصيد المعنويّ للثقافات حتى يتسنّى التقليل من مظاهر السلبية التي تتربّص بالإنسان؟ ولاسِيَما أنّ ثمة صراعاً على أشدّه في حقل الثقافة بين قوى لصيقة بهموم النّاس وتطلّعاتهم نحو غدٍ أفضل، وأخرى لا تبالي بإفراغ الساحة من مقوّمات الوعي والفهم والإدراك، واستبدالها ببدائل الاستلاب والابتذال والسطحية. ومن السذاجة أن يتخيّلَ المرء أنّ حقلَ الثقافة المعوْلَم حقلٌ نقيٌّ، بل قد يعتريه ما يعتري غيره من الحقول من تدافع محموم، ويستشري فيه ما يستشري في غيره من انتهاك وتوظيف وطمس.
مراعاة التعددية
وبوجهٍ عامّ، بقدرِ ما يسعى مؤلف الكتاب إلى شرح طبيعة العلاقة السائدة بين ثقافتيْن، استناداً إلى تجربة عيش في العالمين، العربيّ والغربيّ، ينشد كذلك تلمّس ملامح بديل يتلخّص في ما يُطلِق عليه الإيلاف الثقافيّ. وهو طرح حضاري يتجاوز الهويات المنغلِقة إلى محاولة إيجاد مشترك هوياتي جامع، يقوم على مراعاة التعددية، ويحافظ فيه كلّ طرف على خصوصياته، مع إيمان بأن ثمة أفقاً مشتركاً يوحِّد بين الجميع. ويحاول الكتاب أن يتلمّسَ مسارات هذا المؤتلف الجامع، القائم على مجموعة من القيم والأخلاقيات والحقوق الباحثة عن التحقق، وبما يتجاوز المحددات العرقية أو المعتقدات الحصرية. فلا ينكر الكاتب ما منحه إياه الغرب من تطهّر، ممّا كان يحمِله عنه من أوْهام، وبالقدر نفسه ممّا كان يُحَمِّله من أوْزار، وتلك من مزايا النظر للأشياء عن كثب.