الفاهم محمد

عبدالله العروي أحد الرموز الفكرية الحداثية في المغرب والعالم العربي. ولد في مدينة أزمور سنة 1933، وتابع دراسته بمراكش والرباط، قبل أن يرحل إلى فرنسا حيث سيحصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون. وله مؤلفات تجاوزت الثلاثين، تنوعت بين مجالات متنوعة كالتاريخ والفلسفة والرواية، وهي تدور في مجملها حول سؤال أساسي يرتبط بالوقوف على الأسباب التي تحكمت في واقع التخلف العربي، وفهم حالة التدهور الحضاري.
إن الأطروحة الأساسية التي دافع عنها العروي، هي أنه لا سبيل لنا لتحقيق الإقلاع الحضاري، غير القيام بقطيعة واعية مع الماضي بكل ما قد تفرضه علينا جوانب معينة من التراث، وهو أمر لن يتحقق بدوره إلا إذا تبنينا الفكر الحداثي كما تبلور في الغرب، وأدركنا الشروط التاريخية الموضوعية التي تحكمت في إنتاجه.
فما هي إذن أسس هذه الحداثة العربية التي ينادي بها العروي؟ وإلى أي حد تستقيم منهجية القطع مع الماضي في إصلاح اختلالات الحاضر؟

سؤال التأخر الحضاري
في كتابه «الإيديولوجيا العربية المعاصرة» الذي كتب سنة 1967، يحاول العروي وضع الأسس النظرية للدفاع عن أطروحته الأساسية، وهي الأطروحة التي ستثير جدلاً واسعاً في العالم العربي والإسلامي، مسائلاً قضية التأخر الحضاري والبحث في أسبابه، وكذا رصد الصعوبات التي حالت دون تلقي الحداثة الغربية، وأساسها النظري ألا هو الفلسفة الأنوارية.
وفي نظر الكاتب أن اللحاق بركب الحداثة لن يكون إلا عبر تحقيق قطيعة مع الماضي. ولذلك فهو يدخل من التشكلات الإيديولوجية الأساسية التي عرفها العالم العربي وهي في رأيه: إيديولوجية التمسك بالتراث، والإيديولوجية الليبرالية، ثم إيديولوجيا المُدافع عن التقنية، حيث يوجه لها سهام انتقاداته، معتبراً أن سقفها النظري لا يتجاوز الحدود التحديثية، مركزاً في ذلك على ثلاثة شخصيات كمثال هي: الشيخ محمد عبه، والليبرالي لطفي السيد، وداعية التقنية سلامة موسى. فقد ظلت كل هذه النماذج الثلاثة على اختلاف منطلقاتها وخياراتها، مسكونة بهاجس الآخر ألا وهو الغرب، إما برفضه أو الانبهار منه. فنصير التراث يرى أنه لا خلاص من المأزق الحضاري إلا باستعادة أمجاد الماضي. فما نبحث عنه عند الآخر يوجد زاخراً لدينا في تراثنا. أما الليبرالي فيظل معجباً بما حققته الفلسفة السياسية الأنوارية عند روسو أو منتيسكيو، معتبراً أن المدخل إلى الحداثة هو بناء الدولة الديمقراطية الليبرالية. في حين يرى داعية التقنية أن القوة الأساسية التي يمتلكها الغرب هي التكنولوجيا، والتي يجب نقلها إلى العالم العربي.

التباعد التاريخي
ويشير العروي إلى أن هذه الحلول قد طرحت في الغرب انطلاقاً من سياقات تاريخية خاصة، ما زلنا نجهلها إلى يومنا هذا وهي التجديد الديني، والنزعة الإنسية، والثورة الصناعية. وهكذا عندما نستنسخ هذه الحلول خارج سياقاتها، لا نسهم إلا في «التباعد التاريخي»، وبالتالي نكون بمنأى عن الإبداع المفاهيمي والإنتاج الفكري، ويستنتج الكاتب مؤكداً أننا ما زلنا: «في انتظار يوم يستطيع فيه وعي العرب، بعد أن يكون قد غدا تاريخياً وانتقادياً، أن يتعرف على ذاته في قلب التاريخ الكوني، فيصير قادراً على توظيف استنتاجاته وطرائقه» (الإيديولوجيا العربية ص 138).

أسس الحداثة
ويمكننا أن نقول بشكل موجز إن أسس الحداثة عند عبدالله العروي تقوم على ثلاثة أعمدة أساسية هي: مفهوم العقل، مفهوم الحرية، ومفهوم الدولة الحديثة، وهي كلها مفاهيم خصص الكاتب لكل منها مؤلفاً يحمل الاسم نفسه.
وبالنسبة للمفهوم الأول فإن مما يأخذه الكاتب على العقل العربي أنه ظل عقلاً تراثياً مطلقاً، متعالياً على حركة التاريخ وسيرورته. فهو إذن عقل تراثي يعتني بفهم النصوص لا بفهم الحياة والطبيعة، وهذا هو السبب الذي جعل هذا العقل، غير قادر على التجلي في سلوكياتنا اليومية، ولا في إنتاجاتنا العلمية، التي ظلت متأخرة مقارنة مع ما حققه الغرب.

مفهوم طوباوي
أما بالنسبة للمفهوم الثاني فقد اعتبر العروي أن انعدام الحرية الفردية، هو أحد الأسباب الرئيسة المتحكمة في التقهقر الحضاري. فالحرية هي انتصار للفعل البشري، في ارتباطه بالواقع الاجتماعي. بمعنى أنه ليس مفهوماً مجرداً طوباوياً، مفصولاً عن الزمان والمكان. وفي نظر العروي فنحن أمام مفهوم محكوم بقصدية، ترمي إلى تحقيق أهداف عينية في الواقع المعيش، حيث يقول: «يفهم الفرد من الحرية الانفلات من العادات، والمرأة ترى فيها الاستقلالية بإرثها وأجرتها، والعائلة القروية تحرير الأرض المملوكة من حقوق العشيرة، والطبقة التجارية التخفيف من الضرائب وإلغاء تقنين المعاملات، والأمة إنهاء عهد الفقر والجهل والمرض والبطالة» (مفهوم الحرية ص 6).

إطار اجتماعي
وبهذه الطريقة تعكس الحرية مراميَ اجتماعية ملموسة، في الإطار الاجتماعي السياسي الذي ننشده، ألا وهو الدولة الحديثة الذي يبحث الكاتب في تفاصيلها في سياق المفهوم الثالث. وفي نظره قد يكتشف الفرد الدولة الحديثة أحياناً على شكل إلزامات سلطوية، تفرض عليه مجموعة من القوانين الملزمة: «لماذا نقف عند الضوء الأحمر في الشوارع؟ لماذا نذهب إلى المدرسة ونحن أطفال؟ لماذا نؤدي الضرائب ونحن رجال؟ لماذا لا ندخن في القاعات العمومية؟.. إن القانون العام عندما يعرف الدولة لا يزيد على تسجيل هذا الواقع الاجتماعي» (مفهوم الدولة ص 5). 
ويتحدث العروي عما يسميه بالدولة الإيجابية التي يقصد بها الدولة الحديثة، أي ما ننعته عادة بدولة الحق والقانون، التي تكون قريبة من الفرد وتستمد شرعيتها من خدمته.

القطيعة والوعي التاريخاني
وفي ضوء المبادئ المؤسسة للحداثة يرى العروي، أن السبيل الوحيد لتحقيق الإقلاع الحضاري، ودخول فضاء الحداثة، هو كما أشرنا سابقاً إحداث قطيعة حازمة مع جوانب من العقل التراثي الماضوي، وهذا الأمر بدوره لن يتحقق إلا من خلال موقف منهجي واعٍ يطلق عليه التاريخانية، كما تبلورت عند عدد من المؤرخين وفلاسفة التاريخ مثل كروتشه وكولينغوود وغيرهما... ويدل مفهوم التاريخانية كما يعرفه العروي على: «موقف أخلاقي يرى في التاريخ بصفته مجموعة الوقائع الإنسانية مخبراً للأخلاق، وبالتالي للسياسة. ولا يعنى التاريخاني بالحقيقة بقدر ما يعنى بالسلوك، بوقفة الفرد بين الأبطال. التاريخ في نظره هو معرفة عملية أولاً وأخيراً»، (ثقافتنا في ضوء التاريخ ص 16).

قراءة موضوعية
بعبارة أخرى نقول إن التاريخانية في فكر العروي، تدل على تصور خاص للزمان، باعتباره قائماً على التغير وليس الثبات، وأنه بإمكاننا إجراء قراءة موضوعية لهذه التحولات، التي تطال عالم البشر بعيداً عن كل افتراضات ميتافيزيقية، أو مقاصد خفية. وإذا كانت مثل هذه المنهجية تبتغي بلوغ الموضوعية، فإن ما يعاب عليها هو القول بالنسبية التاريخية. فما دام التاريخ في تغير مستمر، فكيف يمكن إثبات مرحلة بعينها والدفاع عنها بصفة إطلاقية؟! وخصوصاً أن الحداثة قد تعرضت لمراجعات كثيرة حتى داخل الفكر الغربي ذاته، وبالأخص الانتقادات التي وجهتها إليها ما بعد الحداثة.