إميل أمين
في منتصف شهر نوفمبر الماضي، شهدت مدينة بلتشلي في المملكة المتحدة مؤتمراً مثيراً للاهتمام، عقد تحت عنوان «قمة سلامة الذكاء الاصطناعي»، حيث كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها قادة العالم لمناقشة الجهود المبذولة لكبح جماح تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي قد تغير العالم. وفي نهاية أعمال القمة، جرى التوقيع على ما يعرف بـ«إعلان بلتشلي»، الذي يعترف بالحاجة إلى التعاون لتحقيق الشفافية والمساءلة في مسارات تطوير الذكاء الاصطناعي، وتخفيف المخاطر التي قد تشكلها هذه التقنية. والسؤال: ما الذي استدعى أصلاً مثل هذا اللقاء العالمي، الذي توج بإعلان قد تبدو بنوده مثيرة إلى درجة مقلقة من قادم الأيام؟

تحديات قيمية
ربما نجد الجواب شافياً وافياً على لسان الفتى الطموح «إيلون ماسك»، رجل الذكاءات الاصطناعية المختلفة، وصاحب المشروعات الممتدة بين الأرض والفضاء دفعة واحدة، فقد اعتبر البشرية على عتبات مرحلة إطلاق «الجني الساحر»، مؤكداً أن لدى الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يصبح «القوة الأكثر تأثيراً في التاريخ».
فهل أصبحت الإنسانية الآن في مواجهة تحديات قيمية وفلسفية، من جراء الذكاء الاصطناعي الذي بات يهدد بحرمان كثير من البشر من وظائفهم، حيث إنه ولأول مرة سيكون لدى العالم شيء يفوق الذكاء البشري؟
يوماً تلو الآخر تتضح معالم أزمة عميقة، لعلنا لا نغالي إن قلنا إنها ربما لا تقل عن إشكالية انتشار الأسلحة النووية حول الكرة الأرضية، وقد بلغ من شأن المخاوف أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اتخذ قراراً بالإجماع يدعو المجتمع الدولي إلى اتخاذ تدابير وقائية ورقابية فيما يتعلق بتلك التقنية المتوثبة.
والكل يعرف الآن أننا في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، نعيش زمن الذكاء الاصطناعي AI، أي البرنامج الحاسوبي شديد التطور الذي يحاكي السلوك البشري أو التفكير الإنساني، ويمكن تدريبه على حل مشكلات معينة، وهو مزيج من التعليم الآلي والتعلم العميق.
ولكن ما قد لا يعرفه كثيرون متعلق بما سيعرف عما قريب جداً، وربما قبل نهاية هذا العقد، بالـSAI أو «الذكاء الاصطناعي السوبر»، وفيه يمكن للبرامج الكمبيوترية أن تفكر بذاتها، وكما في أفلام الخيال العلمي، فربما تصل عند لحظة بعينها إلى التواصل مع بعضها بعضاً، لتصل إلى مرحلة قد تؤدي لتهميش الإنسانية.
لا تحارب الحقائق
في أكتوبر 2019، نشرت مجلة «أتلانتيك» الأميركية الشهيرة، ملفاً مثيراً جداً جاء تحت عنوان «بلا ضمير أو فلسفة أو أخلاق... كيف سيغير الذكاء الاصطناعي شكل المعرفة والعالم؟». والفكرة الرئيسية لهذا الملف تدور حول المواجهة الأخلاقية والفلسفية لثورة محتملة لا يمكن إخمادها أو الانقلاب عليها، كما أن محاولات وضع حد لها قد تسلب المستقبل ذلك الجانب من الطبيعة البشرية الأقدر على مواجهة تبعات اختراعاته.
هل نحن إذن أمام معضلة: لا تحارب الحقائق بل تعامل معها؟. أغلب الظن أنه بات علينا أن نقبل فكرة أن الذكاء الاصطناعي لابد أن يزداد تعقيداً وانتشاراً، وأن نتساءل حول الكيفية التي سينعكس بها تطوره على إدراك وبصيرة وتفاعل البشر، ومدى تأثيره على ثقافتنا وتاريخنا في نهاية المطاف.
غير أن الحقيقة المثيرة للقلق في المستقبل القريب للذكاء الاصطناعي، وربما قبل الوصول لعتبات السوبر منه، هي قدرة تقنيات هذا النوع من التكنولوجيا على التعلم والاستفادة من تجاربها الخاصة، خلافاً للبرمجيات التقليدية، التي لا يمكنها سوى تنفيذ المنطق البشري. هنا يبدو التحول المتزايد في تحليل وتمييز البيانات من الإنسان إلى الآلات، مظهراً واضحاً من مظاهر ثورة الذكاء الاصطناعي، لكن التساؤل الذي لابد من طرحه: هل هي ثورة تمثل نعمة للبشرية، أم ستصبح ثورة تجلب نقمة على النوع البشري في الحال والاستقبال؟
عتبات معرفية فلسفية
كان التفكير ومن ثم الذكاء العقلي هو قضية البحث الفلسفي منذ بدايات التساؤلات الفلسفية في زمن أرسطو وأفلاطون، وصولاً إلى ديكارت وبيرغسون، حتى وإن لم يتمكنوا من الاتفاق على تعريف موحد لمعنى الذكاء، ثم جاء زمن الذكاء الاصطناعي ليضع العالم على عتبات تساؤلات إبستمولوجية، أي معرفية، عن ماهية هذا الذكاء، وهل هو واعٍ قادر بالفعل على محاكاة الفكر البشري أم لا؟
من الفلاسفة المعاصرين الذين اهتموا بمساءلة هذه الإشكالية بنوع خاص، الفيلسوف الأميركي «هوبرت دروفيس»، الذي رأى من بعيد مآلات الأزمة، فقد أصدر في نهاية السبعينات كتابه المثير للتفكير: «ما لا تزال أجهزة الكمبيوتر غير قادرة على فعله». وفي صفحات هذا العمل الشيق تبدو الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع محاكاة الفكر البشري، لأن الآلة لن تكون قادرة على القيام بالوظائف العليا التي يقوم بها البشر على نحو كامل، ما دام العنصر البشري هو من يقرر في النهاية.
فرص مدهشة
تبدو رؤية «دروفيس» تقدمية، لكنّ هناك حكماً آخر ينقصها، فالآلة مهما بلغ من قدرتها، ستبقى مفرغة في جميع الأحوال من القدرة الوجدانية، والإيمانية، بمعنى مفاعيل الروح الساكنة في النفس البشرية، والروح تحديداً من أمر ربي، فلا يمكن لمخلوق أن يهبها لآخر، وغالب الظن أن هذا المنطلق هو الذي دعا البابا فرنسيس، لأن يصدر رسالة اليوم العالمي للسلام، في الأول من يناير الجاري، حول الذكاء الاصطناعي، وإن اختار زاوية تتسق والكائن البشري الذي خلقه الله في أحسن تقويم.
وقد جاءت رسالة فرنسيس تحت عنوان «الذكاء الاصطناعي والسلام»، وفيها إشارة إلى أن التقدم الملحوظ الذي حققته تكنولوجيا المعلومات الجديدة، وخاصة في المجال الرقمي، إنما هي فرص مدهشة، وفي الوقت نفسه مجازفة مقلقة، ولها آثار جدية في السعي لتحقيق العدل والوئام بين الشعوب.
تساؤلات جوهرية ملحّة
تطرح رسالة الحبر الأعظم تساؤلات جوهرية ملحة عن علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي من قبيل: ما هي العواقب في المدى القريب والبعيد للتكنولوجيات الرقمية الجديدة؟ وماذا سيكون تأثيرها على حياة الأفراد والمجتمعات، وعلى الاستقرار الدولي والسلام؟
وتضعنا الرسالة أمام حقيقة هي أنه: لا يمكننا أن نفترض بداهة أن تطور الذكاء الاصطناعي سيقدم مساهمة مفيدة لمستقبل البشرية وللسلام بين الشعوب ما لم نوجهه للمساهمة في تحقيق ذلك. ولن تكون هذه النتيجة الإيجابية ممكنة إلا إذا أثبتنا أننا قادرون على التصرف بمسؤولة وباحترام للقيم الإنسانية الأساسية، مثل الشمول والشفافية والأمن والعدالة والثقة.
ولا شك في أن التوسع الهائل في التكنولوجيا يجب أن يكون مصحوباً بالتدريب الكافي على المسؤولية في تطويرها، ولاسيما إذا كانت الحريات والسلام قيماً كونية معرضة للتهديد عندما يستسلم البشر لتجارب الأنانية والمصلحة الشخصية والجشع في الربح والتعطش إلى السلطة.
فرصة رائعة
في مداخلة ذات قيمة، تعرضت المديرة العامة لمنظمة اليونسكو، أودري أزولاي، لمعضلة الذكاء الاصطناعي، وعندها أنه يمكن اعتباره فرصة رائعة لتحقيق أهداف الأمم المتحدة لعام 2030، غير أنها هي أيضاً بدورها ترى أن الأمر يستلزم معالجة المسائل الأخلاقية التي يطرحها على الفور. وبمزيد من الإيضاح ترى أن الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية تساعد على التقدم بأكبر سرعة نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فهو يسمح بتقييم أفضل للمخاطر، وتحسين الاستشراف، وتوسيع نطاق تقاسم المعارف.
ولكنه من وجهة نظرها يشكل أيضاً تهديداً، لأن تعميم الآلية والرقمنة يحدثان اختلالات جديدة، وقد يتسببان في الحد من التنوع في الصناعات الثقافية، وفي اضطراب سوق العمل والتهميش، وتعميق التفاوت بين المتمتعين بالتكنولوجيا الحديثة والمحرومين منها.

دليل موجز إلى المستقبل
لعل من بين أهم الأصوات التي لفتت انتباه الإنسانية إلى ما وراء الذكاء الاصطناعي، الفيلسوف السويدي نيكولاس بوستروم، الذي يعمل بروفيسوراً ومديراً مؤسساً لمعهد مستقبل الإنسانية، في جامعة أوكسفورد البريطانية. وقد اشتهر بوستروم عالمياً بأبحاثه المتعلقة بالمخاطر الوجودية للتقنية، والمبدأ الإنساني وعواقبه على نظرتنا للعالم ولدورنا فيه، والذكاء الفائق وما يمكن أن يفضي إليه من مشكلات غير مرتقبة أو مراحل حضارية جديدة. وفي كتابه المعنون: «ما فوق الإنسانية: دليل موجز إلى المستقبل»، يصف بوستروم الذكاء الفائق القوي، فيشير إلى العقل الذي لا يتجاوز سرعة الدماغ البشري فحسب، بل يفوقه ذكاء من ناحية نوعه.
ويؤكد بوستروم أنه مهما سرعت من دماغ حيوانك الأليف، فإنك لن تحصل أبداً على ما يعادل العقل البشري. وبنحو مماثل فقد تكون هناك أنواع من الذكاء لا يمكن الوصول إليها حتى لأدمغة بشرية سريعة جداً نظراً لقدراتها الحالية. لكن شيئاً بسيطاً مثل زيادة حجم شبكاتنا العصبية أو توصيلاتها قد يمنحنا بعضاً من هذه القدرات. وقد تتطلب التحسينات الأخرى إعادة تنظيم كامل للهندسة الإدراكية أو إضافة طبقات إدراكية جديدة فوق تلك القديمة.
اختراعات حبلى بالمفاجآت
لكن، هل هنالك علاقة بين الذكاء الفائق والذكاء الاصطناعي بحسب بوستروم؟
يرى الفيلسوف السويدي أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية أو المستقبلية لا تشكل على المدى القريب أي تهديد للوجود البشري. ولكن إذا تم إنشاء نظام الذكاء الفائق، فمن الأهمية القصوى أن يمنح قيماً صديقة للبشر. ذلك أن الذكاء الخارق المصمم دون حذر، مع أهداف ترقى إلى درجة اللامبالاة تجاه مصالح الإنسان، يمكن أن يتسبب في نتائج بالغة السلبية على البشرية. فهل تتقدم الإنسانية إلى الخلف أم تصعد إلى الهاوية؟ الليالي قد تكون حبلى بالمفاجآت.