فاطمة عطفة
يُعد مفهوم القوة الناعمة ركيزة من ركائز التأثير الذي تستخدمه الدول من خلال آدابها وفنونها ومثقفيها ومبدعيها، وفي السنوات الأخيرة تبرز الحاجة إلى أدوات تأثير أكثر رقيّاً وفعالية، تُعيد تشكيل الوعي، وتفتح نوافذ الحوار، وتُسهم في بناء مجتمعات متصالحة مع ذاتها ومع الآخر. هنا، تبرز القوة الناعمة كمسار حضاري، يؤمن بأن تحقيق الخير والتفاهم والاستقرار لا يتم بالقوة الصلبة، بل بالثقافة والمعرفة والجمال.
وتقدم الإمارات أنموذجاً عالمياً في أدواتها الإبداعية في مجال القوة الناعمة، حيث ترسّخ رسالة إنسانية نحو ترسيخ قيم الخير، وتعزيز جسور التفاهم، وترسيخ الاستقرار، مؤمنة بأن الحوار بين الشعوب والمجتمعات ركيزة العلاقات المعاصرة، وأن تبادل الخبرات العلمية والآداب والفنون هو العامل الحضاري الأهم، الذي يُغني المجتمعات ويرتقي بها.
وفي هذا السياق، يبرز دور المبدعين في الإمارات من مفكرين وشعراء وفنانين، إذ لم تعُد أعمالهم محصورة في إطارها المحلي، بل انطلقت إلى الساحة العالمية، فشكّلوا بجهودهم الإبداعية وتفاعلهم مع الثقافات الأخرى قوة ناعمة، تؤكد حضورها بالحوار وبناء عالم مستقبلي قوامه العدل والتسامح والتفاهم. (الاتحاد) طرحت هذا المضمون على عدد من المبدعات الإماراتيات، للوقوف على آرائهن فيما يتعلق بمفهوم القوة الناعمة.
في البداية تقول الروائية د. فاطمة المزروعي: «تُعد المساهمات الأدبية للكتّاب والمثقفين والمبدعين في دولة الإمارات ومنطقة الخليج العربي من الركائز الحيوية في بناء الصورة الثقافية للدولة، وتعزيز مكانتها إقليمياً ودولياً، عبر ما يعرف بمفهوم القوة الناعمة، وهو التأثير الذي تمارسه الدول من خلال أدوات غير مباشرة كالثقافة والفكر والفنون».
وأضافت: «شهدت العقود الأخيرة تطوراً ملحوظاً في الحراك الأدبي، حيث لعب المثقفون دوراً محورياً في تشكيل هوية ثقافية حديثة تجمع بين الأصالة والحداثة. فمثلاً، يُعد الشاعر سلطان العويس من أوائل من زاوجوا بين الكلمة والموقف الوطني، ليصبح لاحقاً رمزاً للثقافة الخليجية من خلال جائزة سلطان العويس الثقافية».
وتشير فاطمة المزروعي إلى أن هذا الامتداد الثقافي لم يقتصر على الشعر أو النثر المكتوب، بل شمل كذلك السرد الشفهي والذاكرة الجمعية، كما فعلت نورة النومان في أدب الخيال العلمي، أو فاطمة المزروعي في توثيق حياة المرأة الإماراتية.
وتابعت المزروعي: «هذه الأعمال لم تكتفِ بتوثيق الحياة المحلية، بل انخرطت في الحوار الأدبي العالمي من خلال الترجمة والنشر والمشاركة في معارض الكتب العالمية».
التواصل والانفتاح
من جانبها تقول الكاتبة مريم المهيري: «في عالم سريع التغير، تقف الكلمة بثبات أمام كل أداةٍ سواها. ولا أعرف جسراً أشد متانة مما تصنعه القصص والحكايات».
وأضافت: «دولة الإمارات أثبتت قدرتها على التأثير والإقناع بالجمال والإبداع، وهي تسعى إلى ترسيخ بنية ثقافية وفنية، تسهم في تعزيز مكانة الدولة عالمياً. ما يميّز الأدب هو قدرته على اختزال الأفكار السامية والذاكرة المرئية لحضارات الشعوب». وأكدت المهيري أن القوة الناعمة تسعى بالتفاعل الثقافي والحوار إلى تحقيق التواصل والانفتاح، ويمكن لقصيدة أو قصة واحدة أن تكون رديفاً لقيم التسامح والمحبة والسلام.
وفي هذا السياق تقول الروائية آن الصافي: «إن مساهمات الكتّاب والمثقفين في الخليج تشكّل أحد أبرز تجليات القوة الناعمة في المنطقة، بما تتيحه من فضاءات للحوار والتقارب الحضاري. هذه القوة لا تمارس عبر أدوات التأثير التقليدية، بل تنبع من عمق الإنتاج الإبداعي».
وتضيف: «الكتابة هنا ليست ترفاً، بل فعلَ وعيٍ يشتبك مع قضايا الإنسان من الاستدامة إلى الهوية، والتسامح إلى التعددية. وتظهر هذه المفاهيم في المبادرات الثقافية والملتقيات الفكرية التي لا تحتفي بالمحلي فقط، بل تقدمه بروح عالمية واعية».
وتتابع الصافي: «تتحول الثقافة الخليجية من حالة استهلاك إلى حالة تأثير، وتُسهم في تشكيل رأي عام مستنير وخطاب حضاري، لأن الثقافة قوة ناعمة تمارس بلغة القصيدة، وسرد الرواية، وروح المقال، لكنها تصيب جوهر الحاجة الإنسانية وتحتفي بالفهم والاحترام والأمل».
مساهمة متميزة
وتقول الفنانة التشكيلية والكاتبة سوسن خميس: «جميع المثقفين والمبدعين الذين قدموا مبادرات في جميع المجالات في الإمارات والخليج العربي، كان لهم دور كبير في تأسيس القوة الناعمة، جميع ما يقوم به هؤلاء يشكّل مساهمة متميزة في القوة الناعمة حيث نبرز الصور الإيجابية والتراثية والهوية الأصيلة للمجتمع عن طريق كثير من الأعمال الأدبية والفنية»، وتشير سوسن خميس إلى أن القوة الناعمة مفيدة ومؤثرة في تقديم صورة مضيئة عن المجتمع وثقافته وتأثيره الكبير في محيطه العربي والعالمي، من خلال الأعمال الأدبية والفنية، وأيضاً إقامة الفعاليات الثقافية والفنية التي تعكس الحراك الإبداعي المحلي.
قيم التواصل
ويؤكد الشاعر أحمد بالحمر على أن القوة الناعمة هي القوة الفعالة الصلبة، التي تجعل الشخص حين يقوم بأداء بهذه القوة القائمة على التآلف والمودة أو تصله من الآخر، سواء كان فرداً أو مجتمعاً، فإن هذه القوة الحميدة تحوله إلى كيان آخر متعاون ومؤثر، ناقل وموصل للعمل الفكري أو الثقافي المراد نشره والتفاعل معه وتبنيه، وما من شك بأن المبدعين جميعاً من كتاب وشعراء ورسامين وسينمائيين وعلماء ودبلوماسيين يسهمون في إثراء هذه القوة الناعمة، ويرسخون قيم التواصل الإنسانية الزاخرة بالخير والتآلف والسلام، ويسعون دائماً إلى إيصال أفكارهم وأعمالهم وتقديم صورة مضيئة عن ثقافتنا وهويتنا الأصيلة.
ياسر دحي: تفتح نوافذ الوعي والمحبة والسلام على العالم
يقول الشاعر ياسر سعيد دحي: إن الأدب الخليجي رافد استراتيجي للقوة الناعمة، ولقد شهدت دول الخليج العربي، وفي مقدّمتها دولة الإمارات، تحولاً لافتاً في مشهدها الثقافي خلال العقود الأخيرة، تجاوز فيه الأدب المحلي حدود التوثيق والتعبير الذاتي، ليصبح أحد أبرز روافد القوة الناعمة في التواصل مع الشعوب الأخرى. ولم تعُد المساهمة الأدبية محصورة في بعدها الجمالي أو النخبوي، بل غدت أداة استراتيجية في تشكيل الصورة الذهنية للمنطقة، وتعزيز موقعها الرمزي على خريطة التأثير العالمي.
ويضيف: «الرواية الخليجية اليوم على سبيل المثال تطرح أسئلة الإنسان المعاصر، وتغوص في تحليل التناقضات الاجتماعية وحلها بالحوار الهادئ العميق، بينما يعيد الشعر تشكيل اللغة من الداخل، بعيداً عن التقليد وأقرب إلى التأمل والابتكار ليهيئ الجو الإنساني المشترك مع الآخر. وقد أسهمت مؤسسات ثقافية كبرى، مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب في دولة الإمارات، في دعم هذا الحراك وتوسيع نطاقه عربياً وعالمياً، كما عزّزت معارض الكتب، وبرامج الترجمة، والفعاليات الأدبية المستمرة من هذا الحضور».
ويختتم بقوله: «الأدب لا يقدم نموذجاً منعزلاً عن محيطه وبيئته، بل يقدم الإنسان الخليجي والمجتمع الخليجي في تحوله وتعاونه، وفي سعيه إلى مشاركة الآخرين بالتعاون والحسنى وسط تحولات عالمية كبرى. وهذه بالضبط وظيفة القوة الناعمة: أن تفتح نوافذ الوعي والمحبة والسلام على العالم بكل تنويعاته الحضارية والثقافية».