هناك مقولات قديمة تتصنع الطبقية المتعالية لمن يسمون الآن بالنخبة وقديماً كان اسمهم (الخاصة)، ورديفها المعادل (العامة)، وتبعاً لهذه الثنائية التعسفية جاءت مقولة (المضنون به على غير أهله)، أي أن هناك علوماً للخاصة لا يصح ابتذالها مع العامة، وقد نجد حداً فاصلاً في قديم الزمان بين الأمي ومن يقرأ ويكتب، وذاك كان يمنح مزيةً وإن مدعاة لأصحاب القلم تتيح لهم زعم التميز ضد الأميين وضد النساء اللواتي تغلب عليهن الأمية، وقد كانت الأمية مفروضةً على النساء فرضاً، وفي ذلك أقاويل ُكثيرةٌ تحذر من تعليم النساء القراءة والكتابة، وأن في ذلك فساداً عظيماً، مما عزل المرأة لقرون عديدة وفي ثقافات الغرب والشرق معاً.
وحين هممتُ بالكتابة الصحفية مع مطلع حياتي الأكاديمية، خاف عليَّ عدد من زملائي الأكاديميين، وحذروني من إهدار قيمتي مع الصحفيين، وأن أي صحفي بسيط يستطيع التعرض لي لأني كشفت صدري له، ولم أهتم بتحذيراتهم، ولكنهم هم جعلوني هماً لهم، وكلما جاء مقال ضدي في الجريدة ذكروني بتحذيراتهم، وكانوا يستغربون جَلَدي وتحملي لمناوشات الصحافة، ولكني ظللت أسير في مساراتي في البحث العلمي التخصصي مع مسارات الكتابة الصحفية، وأحسست بفائدة عظيمة أولها تهذيب لغتي في الكتابة من حيث تطويع الخطاب ليكون مفهوماً للعموم مع الاحتفاظ بشرط المنهجية، والاعتناء بأمر المصطلح وعدم الوقوع في التبسيط المخل بالنظرية، ولم يكن هذا سهلاً في البداية ولكن ذهني تدرب مع التجربة على سلوك لغة التوصيل السلس وفي الوقت ذاته العلمي، وكما قال هنري ميشو: أيتها البساطة الجميلة كيف لم أكتشفك، فإني اكتشفت أن تليين الخطاب هو السبيل إلى نشر المعرفة، ولهذا لم أجد عنتاً في الدخول إلى تويتر ولا في الكتابة وفق شرط تويتر بعدد مئة وأربعين حرفاً فقط، كما هي سياسة تويتر حينذاك، وقد كان ذلك شاقاً جداً حين أحتاج إلى شرح معنى أحد المصطلحات العلمية بلغة محدودة الحروف من دون غبن حق المصطلح ومع المحاولة نجحت، وقد ذهلت حين اكتشفت مهارة اللغة في تقليل الكلمات وتبسيطها متى ما حاولنا ذلك، ولهذا ابتكرت لنفسي نظام (التوريقة) أي الكتابة للصحافة بمقالات قصيرة جداً، في حدود بضعة أسطر لما كنّا نكتبه في بضع صفحات أيام الصحافة قبل ظهور تويتر، وهذا درسٌ لغوي وفكري تعلمته من اقتصاديات تويتر، ولذا فقد حزنت حين زادت تويتر عدد الحروف إلى مئتين وثمانين حرفاً، لأنني كنت مستمتعاً بتحديات الإيجاز مع شرط دقة التوصيل وحصانة المعنى ومن دون إبهام. وتجربة «إكس» تويتر سابقاً، تجربةٌ صارمة في تعريض الذات لردود الفعل من أي نوع، وكم نحن بحاجة إلى كسر انغلاقنا الأكاديمي مما يفضي إلى تهذيب حس النخبوية الخداع وحس التحصين الذاتي الذي يورث العزلة العقلية والروحية. ولا أظن أحداً يستمتع بالطبقية (النخبوية) إلا من أحس بنقصه وخشي أن ينكشف للآخرين.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض