فاطمة عطفة

فتحت اللغة الرقمية أمامنا آفاقاً وفضاءات افتراضية لا حدود لها في شتى مجالات العلوم والآداب والفنون، وأصبح الذكاء الاصطناعي وسيطاً مساعداً وأداة فعالة في سرعة البحث والاكتشاف والمشاركة في إيجاد ما نبحث عنه وإغناء معارفنا، وأصبحت المكتبات المدرسة والجامعية في عصر جديد مختلف عما سبقه فيما يتعلق بطرق وأدوات القراءة والاطلاع والبحث، وحسب ما يرى الخبراء والمختصون، فإن العلاقة المستقبلية بين الطلاب والباحثين ستكون تفاعلية للغاية، وستكون المكتبة مكاناً للتجارب الواقعية، حيث يمكن استخدام النظارات الذكية لاستكشاف المتاحف العالمية أو المشاركة في محاكاة تاريخية. وهذا يعني أن العلاقة لم تعد مجرد قراءة، بل استكشاف وتجربة.

بدايةً، تقول الباحثة نور سيف المزروعي، رئيسة برنامج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة في مركز تريندز للبحوث والاستشارات: «لقد غيّرت هذه الفضاءات الرقمية، بكل ما فيها من محتوى ومعلومات، الكثير من المفاهيم التي اعتدناها. في الماضي، كانت المكتبة هي القلب النابض للمدرسة، وهي المكان الوحيد الذي يلجأ إليه الطالب للحصول على المعلومة. الآن، أصبح العالم كله في متناول يده بضغطة زر»، مشيرة إلى أن هذا التحول أثّر بشكل مباشر على العلاقة بين الطالب والمكتبة، وتحولت إلى مقر للتفاعل والمشاركة في ورش العمل، وللجلوس في مكان هادئ يساعده على التركيز. وذلك، لأن المكتبة لم تعد مجرد مستودع للكتب، بل أصبحت مساحة للتعلم الاجتماعي والتعاوني. التحدي الأكبر هو كيف نجعل المكتبة المدرسية جاذبة للطالب في ظل هذا التنافس الرقمي الهائل.
أما عن العلاقة الحديثة بين الطالب والمكتبة في زمن الذكاء الاصطناعي، فتبين الباحثة المزروعي أن هذه العلاقة اليوم لم تعد كما كانت، بل تتطور لتصبح أكثر ذكاء وتكاملاً. في الماضي، كنا نذهب للمكتبة من أجل الكتاب، أما الآن، فالذكاء الاصطناعي يجعلنا نذهب لنجد فكرة. وتوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً للمكتبة، بل هو شريك جديد يعيد تعريف دورها، وقد تحولت من مجرد مخزن للكتب إلى مركز معرفي متقدم يستخدم التكنولوجيا لمساعدة الطلاب على استكشاف المعرفة بشكل أعمق وأكثر كفاءة. 

وعن مدى تأثير هذه الوسائط الافتراضية، تقول بنان أحمد القواسمي، مدرسة فيزياء بمدرسة المواهب في أبوظبي: «أرى هذا التغيير من زاوية الأم والمعلمة. الفضاءات الافتراضية فتحت أبواباً لا يمكن إغلاقها للمعرفة، وهذا رائع. لكنها في المقابل، جعلت المكتبة المدرسية تواجه تحدياً كبيراً، وأمام سؤال كيف تحافظ على قيمتها الأساسية؟».
وتضيف: «المكتبة التقليدية كانت ملاذاً هادئاً للتركيز، مكاناً للابتعاد عن ضجيج العالم الخارجي. أما الآن، فقد أصبح الأطفال معتادين على السرعة والوصول الفوري للمعلومة. وهذا أثر على مفهوم المكتبة لديهم، فلم تعد مجرد «مكان للقراءة»، بل يجب أن تصبح مركزاً للإبداع والتطبيق»، مبينة أن المكتبة تتحول إلى مختبر صغير، إلى ورشة عمل فنية، إلى مساحة لممارسة الأنشطة التي لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها، مثل الرسم، أو العزف، أو النقاش وجهاً لوجه، لأن العلاقة بين الطالب والمكتبة يجب أن تكون قائمة على التجربة الحسية والعمل الجماعي، وليس فقط على المعلومة.
وترى بنان القاسمي أن العلاقة الحديثة بين الطالب والمكتبة لم تعد ثابتة، بل أصبحت علاقة ديناميكية وتفاعلية، لأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة بحث، بل هو محفز للتعلم المخصص. مبينة أن المكتبة المدرسية في هذا العصر تتحول إلى «منصة شخصية للتعلم»، لأن العلاقة بين الطالب والمكتبة لم تعد مجرد «أخذ» للمعلومة، بل «حوار» مستمر. 

فضاء معرفي 
وترى الكاتبة فاطمة سعيد الرميثي أن التعليم الافتراضي جعل المكتبة المدرسية أمام خيارين: إما الجمود والتهميش، أو التحول إلى فضاء معرفي تفاعلي يتكامل مع التعليم الرقمي. وتضيف:«أما بالنسبة للطالب، فالمكتبة لم تعد مجرد مكان، بل أصبحت فكرة أوسع: «أين أجد المعلومة الموثوقة؟»، وإذا نجحت المدرسة في جعل مكتبتها جزءاً من هذا البحث، فإنها تحافظ على قيمتها التربوية». وتوضح الرميثي أن الطلبة اليوم لا يكتفون بقراءة الكتب الورقية، بل أصبحوا يبحثون عن إجابات سريعة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي (مثل المحركات الذكية أو المساعدات التعليمية). هذا جعل علاقتهم بالمكتبة أقل ارتباطاً بالكم (عدد الكتب) وأكثر ارتباطاً بالكيف.

وبدوره يشير عبدالله الحمادي، باحث رئيسي، رئيس قطاع الاستشارات بتريندز للبحوث والاستشارات، إلى أن فضاءات التعليم الافتراضي أحدثت تحوّلاً جذرياً في مفهوم المكتبة المدرسية لدى الطلبة، حيث لم تعد المكتبة مجرد مكان مادي يحتوي كتباً ومراجع تقليدية، بل أصبحت فضاء رقمياً مفتوحاً يتيح للطالب الوصول إلى مصادر لا محدودة من المعرفة. ويعتبر أن هذا التحول وسّع من إدراك الطالب لدور المكتبة، لتصبح أكثر من مجرد «مخزن كتب»، بل منصة للتفاعل الرقمي، والبحث الذكي، والتعلم المستمر عبر قواعد البيانات الإلكترونية، والمكتبات السحابية، والكتب الرقمية، مما عزز استقلالية الطالب في البحث والاطلاع.

حلقة وصل 
الباحث زايد الظاهري، نائب رئيس مجلس شباب تريندز للبحوث والاستشارات، يقول: «دخول الفضاءات الافتراضية لم يلغِ أهمية المكتبة المدرسية التقليدية، بل أعاد تشكيل علاقتها بالطالب. فالطلبة باتوا ينظرون إلى المكتبة المدرسية كحلقة وصل بين العالمين: الواقعي والافتراضي. إذ تعدّ المكتبة اليوم بيئة هجينة، تجمع بين الورقي والرقمي، وتوفر خدمات إرشادية وتدريبية تساعد الطالب على التعامل مع المعلومات الضخمة المتوفرة عبر الإنترنت»، مبيناً أن أثر الفضاءات الافتراضية يتمثل في تطوير دور أمناء المكتبات وتحويلهم إلى موجهين وميسرين لاستخدام المعرفة الرقمية، بدلاً من مجرد حراس للكتب.

بحث ذكي
يرى عبد الله الحمادي أن دخول الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة علاقة الطلبة بالمكتبة المدرسية من علاقة «بحث يدوي» إلى علاقة «بحث موجه وذكي». فالطالب اليوم يستطيع، عبر أدوات الذكاء الاصطناعي المدمجة في المكتبات الرقمية، الوصول إلى مصادر المعرفة بسرعة ودقة غير مسبوقة، كما أصبح بإمكانه تلخيص الكتب، اقتراح المراجع الأكثر صلة بموضوع بحثه، وحتى الحصول على مساعدات تفاعلية في صياغة أفكاره.

التفكير النقدي
ويؤكد الباحث الظاهري أن العلاقة الحديثة بين الطالب والمكتبة المدرسية في زمن الذكاء الاصطناعي تتجاوز فكرة الاستفادة من المصادر، لتصل إلى تنمية مهارات التفكير النقدي، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي يمنح الطالب كمّاً هائلاً من المعلومات، لكن المكتبة تظل مكاناً يوجه الطالب لتمييز الصحيح من المضلل، وتدريبه على التعامل الواعي مع أدوات الذكاء الاصطناعي. 
وبهذا تتحول المكتبة المدرسية إلى بيئة تربوية تعليمية هجينة.