فاطمة عطفة
تعكس المخطوطات النادرة مدى الثراء المعرفي، الذي تميّزت به الحضارة العربية والإسلامية على مر عصورها، كما تعد هذه المخطوطات وثائق تاريخية حية، خطها نخبة من علماء وأدباء وفنانين ذوي صدق، وتشكّل شهادات عيانية ومرويات تستند إلى وقائع وأحداث تاريخية عاشوها أو نقلوها عن أسلافهم، كذلك تمثل كنوزاً معرفية في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية، وفي جانب منها تعكس المخطوطات جوانب مهمة من إبداعات فنون الخط والزخرفة والمنمنمات، كما تشير إلى تطور فن التجليد وصناعة الورق، ما يجعلها مصدراً من مصادر التوثيق والاطلاع على تطور هذه الفنون والصناعات عبر التاريخ.
يقول عبد الله يحيى السريحي، باحث أول مخطوطات -دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي: «تعتبر المخطوطات ذاكرة الأمة، وإرثها المعرفي والثقافي والفكري والحضاري المتميز الذي تبلور وتراكم على مدى الأجيال والقرون، وهي أبرز مظهر من مظاهر الحضارة العربية الإسلامية العريقة، وهو تراث ضخم جداً، إذ يعد أضخم نتاج معرفي (مخطوط) عرفته البشرية في أية لغة من لغاتها عبر كل الأزمنة».
ويؤكد السريحي: «على الرغم من انتشار الطباعة والكتب المطبوعة إلاّ أن المخطوطات لا تزال في غاية الأهمية لعدة أسباب منها: تأكيد هويتنا الحضارية العريقة وتميزنا كأمة، كما أن للمخطوطات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الفن الإسلامي أيضاً، ليس من حيث محتوياتها فقط، وإنما من حيث كونها أعمالاً فنية أيضاً، فهي تحتوي على أغلب روائع فن الخط والزخرفة»، ويشير السريحي إلى أن بعض أعظم الأعمال الفنية الإسلامية، مثل المصاحف المملوكية، هي في شكل مخطوطات، وفضلاً عن ذلك، فهي تحتوي على كل الإبداعات الصورية للحضارة الإسلامية على هيئة زخارف، ورسومات، ومنمنمات بالغة الإتقان، إضافة إلى فن تجليد الكتب بمنجزاته الرائعة.
ويضيف: «أما من الناحية التقنية، فهناك فن صناعة الورق الذي يقوم الدليل عليه في أنواع المخطوطات التي دوّنت على مر القرون، ولا ننسى في هذا المقام صناعة الحبر، وزراعة القصب التي تتصل كلها بتاريخ التقنية والزراعة والفن».
من ناحيته يشير المؤرخ د. فالح حنظل إلى أهمية الوثائق المحفوظة عن وقائع الماضي قائلاً: «المخطوطات القديمة من الآثار المادية المهمة التي تركها الأسلاف، وهي المكتوبة بخط اليد وقد تحدثوا فيها عن أحوالهم وأيامهم وأفكارهم وعقائدهم وخوالج نفوسهم وضروب معاملاتهم»، مبيناً أن هذه المخطوطات صارت مورداً للمعرفة يجب الحفاظ عليها وترميم ما تمزق من أوراقها، ومحاولة قراءتها وفك معالم كتاباتها إذا كانت مطموسة وغير واضحة، لكي يمكن فهمها وإدراك معناها.
تحقيق المخطوطات
ويؤكد د. فالح حنظل على أهمية تحقيق المخطوطات ونشرها والحفاظ عليها لئلا نترك الأجيال الجديدة في حيرة من أمرهم ويجعلهم عرضة لتقبل وتصديق الروايات المشوشة أو المبالغ فيها، أو غير الحقيقية.