محمد عبدالسميع
لا شكّ أنّ فصل الصيف هو أحد الثيم والمفردات التي يمكن أن يعالجها الفنان والشاعر، والأديب بشكل عام، وهذه المعالجات تخضع لذوق المبدع في النهاية، فربما يعالج هذه المفردة بطريقة واقعية أو تجريدية، أو يجمع بين أكثر من مدرسة أدبيّة أو فنيّة. والناس، على اختلاف مستوياتهم الثقافية، ينظرون إلى فصل الصيف من مناظير مختلفة ربما تتزايد أو تقلّ تبعاً لمدى الرؤية والعمق فيها، فقد ينظرون إلى هذا الفصل كانعكاس لدرجة حرارة عالية، أو كدعوة إلى الاستجمام والترويح عن النفس، أو للعطلة المدرسية، أو لملامسة أحاسيس دافئة وذكريات عذبة، ومخاوف نفسية وعاطفيّة. ولكن، ماذا عن الفنان التشكيلي، الذي يرسم الحياة من منظوره الخاص، وكما يحلو له أن يقدمها للمتلقي الذي ربما يحصل على جزء من الدلالة العميقة، أو يبقى عند طقوس جميلة يفتقدها وعاشها بالأمس؟. وهذا يجعلنا نقرأ مدى انتشار الثقافة الفنية التشكيلية ومدى وعي المتلقي، وكذلك تجربة الفنان نفسه في تجربته الإبداعية. ومع احترام أحقيّة الناس، بفطرتهم العادية والأصيلة في نظرتهم إلى البحر أو الصيف وطقوس التنزه والفرح، لابدّ أنّ المبدع نفسه لديه ميزة الكشف والقراءة الأوفر دلالةً وفهماً لأيّ موضوع يتناوله، كجزء من تأطير علاقة الفن التشكيلي بالمجتمع وحياة الناس وتفاصيل يومياتهم، وكذلك يفعل الشاعر والقاص والروائي في التعبير عن الذات من خلال المفردات التي يجدونها متكئاً لرؤيتهم واستشرافهم ووقوفهم عند اللحظة واحتفائهم بها.
ينظر الفنان التشكيلي محمد تهامي، للبحر والصيف من منظوره الخاص، مهتماً بهذه المفردات من ميزة «الدهشة الأولى» التي تصيبنا، خصوصاً حين كنّا أطفالاً، أو حين نشاهد البحر لأول مرة، وبالتالي فهو يقرأ البحر ليس بشكله الاعتيادي البريء، وإنما من خلال لحظات مؤثرة في النفس نكبر عليها ونستعيدها في سن متقدمة، كلحظات عشناها أمام هذا البحر ومعانقة أمواجه والسير على رماله، وكل تلك اللحظات التي ينبهنا إليها الفنان تهامي في لوحة «شطرنج»، هي ملمح أولي للمقارنة بين الحياة البريئة الجميلة الخالية من التكليف في مرحلة الطفولة التي تحتفي بالأشياء من دون إحساس بالمسؤولية، وبالتالي تنتفي صفة الخوف عند هذا الطفل، بينما لو رأى البحر شخص آخر لذكّره ربما بأمور هو لا يريدها أو تؤثر فيه نفسياً، أو تزيد من شجونه وأحزانه، والآداب والفنون وافرة بهذه المواضيع. فنحن، بحسب الفنان تهامي، لا نوثّق الأحداث، إنّما نوثق الشعور بتلك الأحداث، حين تكون المشاعر هي الفيصل أو الحَكَم على أعمالنا، إذ يسرد تهامي في ذلك مفردات من الذاكرة، مثل رائحة البحر والمطر واليد الدافئة، أو الحجر الذي نرميه في البحر، وكلّها تفاصيل غاية في البساطة، ولكنّها نقيّة تحمل براءة الحياة واللعب مع الماء.
هدوء وسكينة
وعلى المنوال نفسه، يسير الفنان التشكيلي محمود خطاب، في نظرته للبحر والحنين إلى اللحظات الجميلة والبريئة، حيث مفهوم البحر عند الطفل في اتساعه، وحيث يكون لدينا البحر رمزاً للسكينة والشعور بالاطمئنان، وبالتالي فالعين تسافر في أمواجه وتذهب وتروح، فتتموج الذاكرة، كما يقول الفنان خطاب، ويزداد الخيال كلما نظرنا إلى البحر بجماليات انكسار الضوء على سطحه، وهذا جزء من التعبير الثقافي الذي ينعكس على اللوحة التشكيلية، فالبحر مرآة صامتة لانفعالات النفس البشرية، وهو مكان للراحة من الضوضاء والضجيج، وهو نقطة التقاء بين الواقع والحلم. ويبدو أنّ الفنان خطاب استشف ذلك من التقاء المشاعر وانفتاحها على أبواب ونوافذ، حين نعزز الحنين جزءاً من طبيعة الإنسان، أمّا الصيف فهو بالنسبة له فصل الطفولة والبراءة والبهجة والألوان الدافئة والمضيئة والمساحات الحيوية المشبعة بالحنين.
اتساع ورزق
لكن، ماذا عن الفنانة التشكيلية دالية نجم، صاحبة لوحة «غنوة صيف»؟، يبدو أنها تسير أيضاً في الاتجاه نفسه، من حيث مفردات الدفء والحنين والذاكرة الجمعية لمفهوم الصيف، ومن خلال عنوان لوحتها، في ما يحمله البحر من فرح وتواصل إنساني وعلاقة حميمة مع أمواج هذا البحر، فمفهوم البحر لدى الإنسان في أنه واسع ومصدر للخير والبركة والعطاء، وهو مساحة لالتقاء البشر وفرحتهم، وبالتالي فإنّ الألوان ستكون زاهية وتعكس هذه الأجواء الجميلة والبهجة الواضحة وإيجابية الناس، كجزء من توثيق ذاكرة بصرية جميلة، وحياة بحرية لها طبيعتها وعفويتها، وربما تقارن الفنانة نجم بين الماضي الجميل والبريء حول البحر وذكرياته وإيقاعات الحداثة السريعة التي أصبحت تدخل إلينا بسرعة، وتأخذنا من عوالمنا الجميلة إلى عوالم أخرى علينا أن نتعايش معها.
سعادة كبيرة
وكذلك الفنانة التشكيلية هالة الشاروني، تسير في الاتجاه نفسه، من حيث كون البحر جامعاً لسعادة الناس، وملتقى للأصدقاء، والفرح بالألعاب، والسباحة مع الأسماك، وهو ما يظهر في لوحاتها التشكيلية بشكلٍ عفوي، فهي تنتظر الصيف باعتبارها إنساناً تشعر بذلك، بما يحمله البحر من دلالة الرزق والخير الوفير، وجاذبية المشهد، والسعادة اللانهائية والبريئة.
تفاصيل جميلة
وتتشابه الفنانة نرمين بهاء الدين، مع زملائها في كون البحر مساحة للسعادة والفرح والألوان والحياة، فهو ليس كأيّ فصلٍ من فصول السنة بالنسبة لها.
وتضيف الفنانة بهاء الدين مفردة جديدة، وهي «الهروب» إلى البحر بالريشة والألوان، كتعبير جميل يدل على أنّ الإنسان دائماً يبحث عن عالم أوسع فيه سكينة، فبمجرد أن تضع الفنانة ألوانها على الرمال تنظر إلى التفاصيل وتقوم بإعادة سردها ووصفها من خلال اللوحة التشكيلية، حيث الشاطئ والطبيعة والعطلة بالنسبة لها أمور لا يمكن أن تستغني عنها، لملمح الطفولة والذاكرة الأولى المتضمنة فيها.
الأدب والتشكيل
في نهاية هذا الاستطلاع، وجدنا أنّ البراءة والطفولة والحنين والإحساس الجميل بالبحر وتفاصيله، والهروب إلى مياهه وأسماكه وبهجته، والتخلص من الهموم أو تكسير هذه الهموم على شاطئه، هي ملمح عام لدى الفنانين التشكيليين الذين قرأنا أعمالهم أو انطباعاتهم. وفي الأدب والشعر، يبدو أنّ الأمر يتوسع نوعاً ما، في قراءة ثيمة الغدر لدى البحر، وربما الموت وعمق المسافة في داخله، وإطلاق ذلك على تجربة الإنسان مع الحياة ومصارعته أمواج هذه الحياة، وركونه إلى الهدوء والسكينة مع أناس يشبهون البحر، كلما تعمقت بهم اقتربت من الغرق أو غرقت فعلاً. وهذه ملامح نقرؤها لدى الشاعر والروائي والقاص في تعبيراتهم عن البحر، وهذا يتبع للثقافة التي يعيشها الإنسان، كما يتبع إفرازات النفس في حالة التفاؤل أو السوداوية التي ينظر بها الأديب أو الكاتب.
قراءات متنوعة
وعلى أي حال، لا نريد أن نقيّم المبدعين بإلزامهم باتجاه محدد في قراءتهم للبحر، فكما قرؤوا البحر والصيف، فإنهم سيقرؤون الشتاء والشجن الذي يبعثه هذا الشتاء مع كل قطرة وذكرى، وسينظرون للخريف وتساقط أوراقه بلحظات نفسية حزينة تشبه تساقط أوراق العمر، بل وسينظرون للربيع نظرةً ذات دلالات نفسية أخرى، فلكل فنان ولكل أديب أو كاتب أحقيته في أن يقرأ المشهد كما يريد ويلتقط منه ما يتناسب مع نفسه التي دخل بها للفن أو الكتابة، فيكون ذلك انعكاساً لها في الفراغ والأحزان والهروب من الحياة إلى حالات جديدة يودعها لنا في أعماله في الفن والأدب وغير ذلك من عالم التعبير والإبداع.