محمد عبدالسميع
استلهام الطبيعة وقراءة عناصرها للنهوض بفكرة فلسفية إنسانية نعانيها يومياً، هو فحوى ومضمون معرض «دائرة حائرة»، للفنانة الإماراتية عفراء الظاهري، الذي افتتحته الشيخة نوار بنت أحمد القاسمي، مدير مؤسسة الشارقة للفنون، ويستمر لغاية الـ14 من ديسمبر 2025 في ساحة المريجة بالشارقة. وعلى هذه الرؤية، يجول الزائر في قراءة للثيم والأفكار المتصورة مسبقاً والأعمال المندرجة ضمن العنوان العريض «دائرة حائرة»، تحت عناوين أعمال فرعيّة.
ويحمل العنوان، باعتباره عتبة النص الفني، معنى الحيرة والقلق، وما يتبع ذلك من مخاوف وتوتر وتكرار وزمن، في التفاتة ذكيّة لعمل كُلّفت به الفنانة، واستعملت لأجله مواد الحبال والقطن والقماش والخرسانة والشَّعر. وتدعونا الفنانة الظاهري، في معرضها الفردي المؤسسي الأول، الذي تقيّمه مي القايدي، القيّمة المساعدة في مؤسسة الشارقة للفنون، إلى تأمّل موضوع الإرهاق الناشئ عن العمل المستمر والمتكرر قيد المعاناة اليومية في حياتنا، والذي يستلزم قراءته من خلال أعمال تشكيلية.
«دائرة حائرة» كان انعكاساً للنباتات الصحراوية، أو استلهاماً لها، بما تشكّله من نقوش حلزونية على الرمال بفعل الريح، ومن خلال تأمّل الفنانة للحركة المستمرة لهذه النباتات، وهذه النقوش بغير وجهة محددة أو واضحة، بل استجابة لأمر خارج عن السيطرة.
كما ساقت الفنانة الظاهري إلينا موضوع الإرهاق الذهني والإجهاد الجماعي، وما يولّده الضغط المستمر في أداء أعمالنا اليومية، وهذه الحركة الروتينية فيها، لذلك جاء التعب والتوتر كتناغم مستمر بين الفعل واللافعل، كما ترى الفنانة من خلال عالم الطبيعة وما يمر به هذا العالم من محفزات لقراءة ذلك فلسفياً والعمل عليه فنياً، ومن ثم إسقاط هذه الفكرة على أنفسنا المتعبة، والتي هي بحاجة فعلاً إلى استلهام الطبيعة، في حركتها التي تولّد لدينا المزيد من التأملات.
ومن الناحية العملية، اعتمدت الفنانة الظاهري على قاعدة قماشية للعمل يمكن أن تُطوى وتحمل بين المرسم والمنزل، لنقرأ مع الفنانة الطيّات الناشئة عن ذلك باستخدام الأكريليك، وكأنها ترمي إلى تسجيل ذاكرة كل طيّة من هذه الطيّات نحو تأمل العمل في النهاية.
وجاءت فكرة تراكم الإيماءات ضمن فلسفة ذكيّة، وهي أنّ الزمن هو جزء من المادة، وليس عبر الكثافة، بل عبر التوقف والعودة، كما تقول الفنانة التي استندت إلى نبتة «البوشمن الكبير» الصحراوية وهذه النقوش والأنماط الناعمة على الرمال أمام حركة الريح، والتي تبدو وكأنها تستثمر الرقصة الطبيعية لاستكشاف معنى التحرك عبر الزمن، دونه أن يكون هناك اتجاه محدد.
كيف يتناثر الزمن من وجهة نظر الفنانة الظاهري، وكيف يمكن للعمل الفني «دائرة حائرة» أن يؤطّر هذه الفكرة الفلسفية؟، ذلك يكون بقراءة الظرف الذي تصبح فيه الحركة إلى الأمام دائرية، وهنا تبرز فلسفة المكان الذي انطلقنا منه أساساً، وتراه الظاهري انعكاساً عاطفياً للتحمل أمام الاستمرار في الحركة وغموض المسار.
ونقرأ في المعرض أعمالاً تنسجم مع هذه الرؤية الفنية للظاهري، كما في عملها «حلقات تدور» الذي نتأمله من خلال حبل قطني تلتف حوله خمس حلقات خشبية مثبتة بدبابيس شعر، في إيماءات متواصلة لا تهدأ. وقامت الظاهري بمعالجة كسر الإيقاع الذي سببه خروج بعض الدبابيس من مكانها، وذلك عن طريق تبنّي مفهوم الاضطراب والعمل على جعل لحظات الانقطاع جزءاً من العمل الفني بحسب الرؤية التي تستند إليها الفنانة.
كما نطالع عملاً آخر تحت عنوان «اسحب، اربط، ارخِ»، وذلك عن طريق ربط حبل محكم ومعقود على إطار خشبي لتنطلق الفنانة من هذه التعليمات أو الخطوات التي تحمل رقصة التكوين: في الشد والمسك والإفلات، إذ لا يتحرك الزمن للأمام في خط مستقيم، بل نراه يدور ويقاوم هذه الخاتمة في رفض واضح للقياس أو الثبات.
وأخيراً، جاء هذا العمل ضمن الرؤية العامة للمعرض بشكل عام، كاستلهام للطبيعة وقراءة عناصرها بتأنٍّ وتفكير عميق ينقل ما في أنفسنا من حركة يومية تكون تكراراً لظروف معينة، كما نقرأ في حركات هذه النباتات عبر الزمان والمكان النقوش التي تكون على الرمال، وبالتالي فهي التفاتة ذكية وعودة إلى الطبيعة في أعمال تشكيلية.