محمد عبدالسميع

الأجيال دائماً بحاجة إلى أن تتواصل فيما بينها عبر الفنون والآداب، وهذه المرّة يجيء معرض «تواصل الأجيال»، الذي تنظمه هيئة الشارقة للمتاحف، ليؤكد أنّ الفنون تمرّ في دورتها الحيوية عبر الرواد، ومن تلاهم من الفنانين، لكي يظلّ الفن محافظاً على رونقه، وإنْ تأثّر بالمدارس الحديثة عبر الأجيال.
ومدار حديثنا سيكون حول فنّ الخط العربيّ، بما يحمله هذا الفن من هُوية ثقافية عربية وإسلامية، نشأنا عليها، منذ أن تخلل كلّ واحدٍ منّا في المدرسة، وفي الجامعة، وفي الحياة العامة، فبات جزءاً منّا، ويستحيل أن يؤثر عليه الحاسوب، لأنّ فيه لمسةً تتعدى التقنية الآلية إلى الروح التي تعصف بالوجدان، وتعبّر عن هوية الفنان ورؤيته لهذا الخط، وكيف يحمل أكثر من مضمون جمالي ومجتمعي وثقافي، وهوية بلد وأمة بشكلٍ عام.
هذا المعرض، في استمراره حتى الثاني عشر من أكتوبر المقبل، في متحف الشارقة للخط، في قلب الشارقة، سيكون مغناطيساً فنياً وجاذباً للفنانين الشباب والكبار، وسيكون استراحةً ذهنيةً وذوقيةً لمن يريد أن يمتحن مقدرته في التأثّر بالخط العربي أو حتى في قراءة تفاصيله في الورش ومشاهدة نماذج هذا الفنّ، نحو أن يكون هذا الخط بأصالته مُعتمداً حتى في عصر الحداثة والعولمة وعصر الذكاء الاصطناعي الذي نعيش.
إنّ الشارقة، وهي تهتمّ بفن الخط العربي وتوليه العناية التي يستحق، سبق لها أن احتفت بهذا الفنّ في ملتقى الشارقة للخط، فقدّمته كأيقونة، ودرست آفاقه وتجلياته وتطوّره ودخوله حتى في التشكيل، بتوجيهات ومتابعة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، في أن يلتقي التراث والحداثة معاً، ليشكّلا جناحين للثقافة لا غنى لأحدهما عن الآخر.
والواقع أن المعرض، وهو يتنوع في الأساليب التقليدية والأساليب الحديثة، ويشتمل على الوعي بالجماليات العربية والإسلامية، هو فرصة لأن نقرأ الخط في تطوّره، وأنّه ليس فقط ناقلاً للمعلومة أو اللافتة أو الاسم، ولكن، كمضمون جمالي وهوية ورونق فني، لذلك دخل هذا الفن في التشكيل وأخذ مكانَهُ ضمن لوحة فنية متجانسة عند كثير من الفنانين الإماراتيين والعرب وفناني العالم، فأقيمت حوله ندوات وقراءات كثيرة لجماليته وعدم محدوديته، واستيعابه للكثير من الأعمال التي يمكن أن يدخل فيها بروعته الفنية، والاستفادة من ميزاته، التي تدرّس ويلقي الضوء على جزء كبير منها في ورشات هذا المعرض.
الجهة الشريكة مع هيئة الشارقة للمتاحف في تنظيم المعرض، هي جمعية الإمارات لفن الخط العربي والزخرفة الإسلامية، وهي جمعية ناشطة تهدف إلى التواصل وعدم انقطاع الخيط الحضاري بين الأصالة والمعاصرة والحداثة من خلال فن الخط العربي.

المجتمع
أمّا المجتمع، وهو يزور المعرض بكل روعة التفاعل واحترام المنجز والتعرف على أجنحته، فهو حتماً سينخرط فيه، وربما استهوت لوحة في المعرض طالباً في مقتبل عمره، فذهب يدرس الخط، وأصبح بعد قليل من السنوات محترفاً، وهذا توجّه ذكي من الشارقة، لأن تثري معرفة الجمهور بفن الخط العربي وأساليبه، فلا يصبح غريباً عنّا في حمأة وفورة الكتابة الإلكترونية.
نتوقع من المعرض أن يُعلي من الذوق العام، ويرسّخ أمجاد فن الخط العربي الذي يستهوي الناظر إليه بجماليته وزواياه وسطوته ورونقه، كعنوانٍ ثقافيّ ومضمونٍ حضاريّ على الدوام.