فاطمة عطفة

حين يكتب تتحول حروفه صوراً ولوحات، وحين يرسم تُصبح خطوط وضربات فرشاته لغة متعددة التأويل. الدخول إلى عالم الفنان والشاعر الإماراتي محمد المزروعي، محفوف بالتوتر والتساؤلات واصطياد المعاني البعيدة خلف كل عمل يقدمه، سردياً كان أو تشكيلياً. ولعل هذا ما يدفعه للقول في حديثه لـ «الاتحاد»: «تفكيري بشكل عام ينتمي للمدرسة التعبيرية، وهذا يمتد حتى على مستوى سلوكي الشخصي. ويلي ذلك اتّباع المنهج الإجرائي»، مبيناً أن من الممكن تلخيص ذلك بأنه طفل ممسوس وباحث عملي، يستغرق في أعماله ويودع فيها فكره ومشاعره.
بداية، سألنا المزروعي عن معرضه «الأعمى» الذي تم افتتاحه قبل أيام في جاليري «إياد قنازع» بأبوظبي، وفترة إقامته في القاهرة، فيجيب قائلاً: «الغياب والحضور ليسا مهنة، إنهما مجرد غطاء أو ملبس لفعل الحياة، وعليه فعدم الظهور لا يعني الاختفاء والعكس أيضاً»، مبيناً أن الجديد في التجربة زيادة التأمل والتقييم لما سبق. ثم يستدرك أنه يرسم ويكتب ويتابع حياته الإبداعية، وهو سعيد بمعرضه الجديد، كما أنه بصدد إنجاز كتاب مفاهيمي، وإضافة لذلك، لديه كتابان في طريقهما للنشر، أحدهما قصص قصيرة تعمل على إلغاء الزمن لدحض المكان وتوفير ذاكرة مريحة للإنسان، والثاني كتاب شعر عامية مصرية.

وحول ارتباطه بالمشهد الفني التشكيلي بالإمارات، ورؤيته لتطوره، يقول المزروعي: «كوني في مصر منذ فترة، فإن متابعتي محدودة على مستوى الأصدقاء القريبين، لكنني أتابع من خلال الإنترنت الأنشطة والفعاليات المتعددة، ومن المؤكد أن طفرة التطور في الفن التشكيلي في الإمارات تتجاوز أشكال وفنون الإبداع الأخرى»، معللاً ذلك بالبنية التحتية المتعددة والمتماسكة، مما يسهل الوقوع في الفخ الجميل للفن التشكيلي، والحافز يتجلى في الرعاية والمتاحف والاقتناءات والمعارض والمشاريع المشتركة، وهذا كله أدى إلى تطور الذائقة البصرية وجعلها وجوداً اجتماعياً تفاعلياً. 
وفيما يتعلق بواقع الحركة النقدية في مصر، يرى المزروعي أنها لا تواكب إنتاج الأعمال الفنية، لافتاً إلى أن النقد يظل متأخراً عن العملية الإبداعية في جميع الفنون. ويضيف: «الحركة الفنية المصرية قوية ومتطورة، ولها حضورها المتميز وجمهورها الواسع، سواء بماضيها الغني أو بالأجيال الجديدة التي تقدم أعمالاً جميلة ومتنوعة. أما فيما يتعلق بالمتابعات في الإعلام والنقد الفني، فالمسألة لا تبدو حاضرة بالقدر التفاعلي المطلوب، أي أنه لا يوجد مشاريع نظرية تتلقف هذا الإنتاج الفني الثري وصناعة قراءات فكرية تضاهيه وتطوره. لكن يبدو أن فكرة «المشروع» الثقافي أو الفكري ليس لها ضرورة مرئية في الوقت الحالي، مهما كانت الأسباب. توجد هناك مشروعات فردية بالطبع، لكنها إما قصيرة النفس، أو تائهة وسط الطبيعة الحالية للنظم الاجتماعية والتعليمية بالذات». 

ويعود الشاعر والفنان المزروعي بحديثه إلى ذكريات عمله في المجمع الثقافي، قائلاً: «صار «المجمع الثقافي» جزءاً من الذاكرة الإماراتية، لِما أسس له من عمل تنموي ثقافي، وليس وحده بالطبع، فهناك الكثير من المؤسسات الثقافية التي انطلقت منذ الثمانينيات من القرن الماضي وكانت ماراثونية وعصامية في عملها. أما عني فقد كان عملي فيه، هو حياتي بالمعنى الحرفي. حتى عندما انتهى عملي بالمكان عانيت معاناة فراق الأحبة في الشِعر العذري».
وعن تراوح عمله بين الشعر والتشكيل، يقول المزروعي: «بالنسبة لي، علاقاتي مع تعدد أشكال الإبداع لا تختلف من سياق لآخر. بالطبع أعرف المدارس والأساليب وإمكانات التصرف والفروقات، فنقطة الانطلاق عندي اعتيادية وبإمكاني ترجمتها إلى قصة أو شعر أو رسم»، مؤكداً أنه كائن يعيش دائماً في مطبخ الأدوات. والشيء الأخير هو أنه يقوم بفلسفة المُنتَج والانحياز لرسالة أو نوع تعبيري ما، وهذا هو الذي يطلع عليه الآخر فيما بعد.