فاطمة عطفة

«الحديث هنا عن مدينة العين يستدعي معه ذكريات طفولتي، فقد نشأت على جمال المكان الطبيعي والفطري لها، حيث يمتزج الجبل مع الصحراء وخضرة النخيل والأشجار، هذا المزج الفطري لمدينة العين انعكس على طبيعة أهلها، وجعل منها وجهة سياحة لمن يبحث عن الهدوء والسكينة والاتصال الإيجابي مع الطبيعة»، بهذه الكلمات تضيء الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، على علاقتها الخاصة وارتباطها العميق بمدينة العين، وفي حديثها لـ «الاتحاد» تتناول عدداً من القضايا الثقافية والاجتماعية، مؤكدة على أن «القيمة الجوهرية في العمل الإبداعي والفكري هما الأثر الإنساني الفريد ذو الروح الحية».

 

 

تواصل الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان حديثها عن مدينة العين، قائلة: «إلى جانب جمال الطبيعة، تزخر العين بعمق تاريخ الوجود الإنساني على أرضها ممن تركوا لنا آثارهم لتدل على هذا التاريخ العريق، فهناك مقابر جبل حفيت التي تعود إلى العصر البرونزي 3200 سنة قبل الميلاد، ومقابر هيلي وقلعة الجاهلي، وقلعة المويجعي وبدع بنت سعود، وواحة العين التي تم إدراجها في منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي، نظراً لقيمتها التاريخية والإنسانية».
وترى الشيخة الدكتورة شما أن هذا المزج السحري بين التاريخ والحداثة والجمال الفطري جعل لمدينة العين خصوصية إنسانية، وأصبحت هدفاً للسياحة، سواء الداخلية أو الخارجية، كما أنها أصبحت هدفاً لرحلات المدارس والجامعات التي تسعى نحو تأصيل القيمة التاريخية لمدينة العين في نفوس الأجيال الناشئة.
وينتقل الحوار إلى الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومدى حضوره في المؤسسات التعليمية والفضاءات الإبداعية التي تشرف عليها الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، فتقول: «أصبح الذكاء الاصطناعي مفردة يومية من مفردات الحياة اليومية التي أصبحت خارج السيطرة، بمعنى أنها صارت واقعاً لا بد أن نتماهى مع وجوده، ونحول التحديات إلى إيجابيات»، مبينّة أنها في محاضراتها بجامعة الإمارات وكلية التقنية العليا بالعين تُكلّف الطلاب ببحوث صغيرة عن مواضيع مرتبطة بالمحاضرة، وتوجههم لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مع شرطين. الأول: أن يتأكدوا من صدق المعلومات، ويطالبوه بتوثيق مصادرها، والثاني: قراءة الورقة بطريقة فاحصة، مؤكدة أن هدفها هو توسيع مساحة المعرفة، لا استبدال جهدهم، وهي في نفس الوقت تحرص على وجود قواعد واضحة للنزاهة الأكاديمية وحماية الخصوصية وتفادي التأثر بالانحيازات الخوارزمية.
وحول حضور الذكاء الاصطناعي في فضاء العمل الإبداعي، ترى الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد، أن القيمة الجوهرية في العمل الإبداعي والفكري هما الأثر الإنساني الفريد ذو الروح الحية»، لافتة إلى أن هذا يتنافى مع آلية عمل الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على خوارزميات مختلفة تعيد الصياغات، ولأن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك وعياً بذاته، فهو غير قادر على إنتاج عمل إبداعي فريد له ملمح إنساني حقيقي، لكن هذا لا يمنع من دوره الهام في سرعة تزويدنا بالمعرفة والمعلومات والتقييمات التي تفيدنا كثيراً في العملية الإبداعية بكل أنواعها.

إشراقة وعطاء 
تُرسّخ المرأة الإماراتية حضورها علماً وعملاً، بصورة لافتة في جميع المجالات، وهو ما تؤكد عليه الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد، قائلة: «وصلت المرأة الإماراتية إلى هذا الحضور اللافت بفضل منظومة تمكين متكاملة بدأت مع إيمان القيادة الرشيدة بها، فمنذ أن قام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بنقل هذا اليقين إلى سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، حيث فتحت للمرأة الإماراتية بوابة كبيرة على التميز والتفرد، وتأكد ذلك بتمكين المرأة بالتمثيل الحقيقي بنسبة 50% من عضوية المجلس الوطني الاتحادي»، مبينة أن المسيرة مستمرة مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حيث قال سموه مخاطباً المرأة الإماراتية: «أنتن الإشراقة على وجه الوطن، دوركن أساس، وطموحكن سماء».
وتضيف الشيخة الدكتورة شما: «أما العامل الثاني، فهو رصيد المرأة الإماراتية من الإرادة والإصرار على النجاح وتجاوز الحاضر إلى المستقبل بصورة أكثر تطوراً وعطاء، وإثبات أحقيتها الكاملة في أن تكون شريكة في بناء مستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة».

احتفاء تاريخي 
وحول إدراج المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، لمبنى «دار الاتحاد» في دبي، ضمن سجل التراث المعماري والعمراني العربي، ترى الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد أن هذا الاحتفاء هو تعبير عن القيمة التراثية والتاريخية التي يمثلها مبنى دار الاتحاد، حيث شهد لحظة فارقة ليس في تاريخ الإمارات فقط، بل في تاريخ المنطقة والعالم، حيث انطلق تأسيس الدولة منه بعد اتحاد إماراتها السبع تحت راية واحدة وبعقيدة وطنية واحدة، مؤكدة على أهمية تلك اللحظة التي انطلقت منها دولة الإمارات وأصبحت جزءاً فاعلاً في تاريخ وحاضر ومستقبل الحضارة الإنسانية. لذلك، ترى الشيخة شما أن تسجيل المبنى في قائمة الألكسو هو توثيق هام للحظة تاريخية في تاريخ العصر الحديث. وهو تكريم ليس للمبنى فقط، بل توثيق للحظة التاريخية لتبقى مرجعاً للأجيال القادمة في فهم معنى الوحدة والريادة التي صنعت حاضر الإمارات وتستشرف مستقبلها.

الاتفاق الإنساني 
في ختام الحوار، نصل إلى الزيارة التي قامت بها الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد إلى اليابان بمناسبة تنظيم معرض إكسبو أوساكا 2025، تقول حول انطباعها عن ذلك الحدث: «إكسبو» بصفة عامة محفل عالمي كبير للتعايش الثقافي، فهو فرصة كبيرة لتعارف الثقافات وإدراك مناطق الاتفاق الإنساني التي تجمع كل الثقافات الإنسانية»، مؤكدة أنها سعدت كثيراً بجناح دولة الإمارات في إكسبوا أوساكا، حيث قدّمت محاضرة حول الاستدامة ودورها في تحسين جودة الحياة، وكان الجناح تعبيراً حقيقياً عن الهوية الإماراتية. وتضيف: «رأيت قدراً كبيراً من الإقبال والرغبة من زوار إكسبو أوساكا في التعرف على الهوية الإماراتية. لقد رأيت في إكسبو أوساكا تجسيداً لفكرة أن الاستدامة مشروع إنساني مشترك، وأن دور الإمارات فيه محل تقدير واسع من كل العالم».