محمد عبدالسميع (الشارقة)

احتضنت قاعات المعارض في ملتقى الشارقة الدولي للراوي تجربة فنية مميزة للفنانة والشاعرة الإماراتية ميرة القاسم، التي عرضت مجموعة من اللوحات الفنية، جمعت بين الأحجام الكبيرة والصغيرة، في معرض شخصي عكس رؤية فنية متحررة من القيود المدرسية والمعايير التقليدية.
وتميزت أعمال ميرة بخروجها عن المألوف، حيث استدعت تجارب الفن الفطري الذي لا يخضع إلا لانطباع الفنانة ومشاعرها، مع تركيز واضح على الوجوه النسائية التي جاءت كأنها حصيلة ما تبقّى من ذاكرة طويلة تلاشت معها التفاصيل الحقيقية، وباتت الملامح مجرد انطباعات عالقة في الخيال.
ولم تكن الوجوه الواردة في اللوحات سوى أشباح ذاكرة، تُعيد الحياة إلى نساء من عقود مضت، برسوم تجريدية انطباعية تخلو من الملامح الواضحة، وتقترب من الغموض أحياناً، لكنه غموض نابع من ذاكرة الزمن، وليس من حقيقة الوجوه نفسها.
وبالتوازي مع الوجوه، احتفت الفنانة بالألوان الزاهية عبر رسم الأزهار في أصصها، مما أضاف بعداً فرحاً عكس تناغماً لونياً أخاذاً، حتى مع غياب الملامح الواضحة للوجوه.
وتكشف ميرة القاسم في هذا المعرض عن تجربة فنية طويلة، متأثرة بأسلوب فنانين برعوا في توظيف الألوان للكشف عن مشاعر المرأة وانفعالاتها، لكنها انفردت بإضافة لمستها التعبيرية الخاصة، مستلهمةً التجريد اللوني الذي يميز أعمال فنانين مشهورين، خاصة في التناوبات اللونية البهية التي تمنح اللوحات حيوية واستثنائية.
وتميزت تجربة الفنانة ميرة القاسم اللونية بحسٍّ شعري عالٍ، حيث وظفت الألوان ليس كمجرد أدوات تشكيلية، بل كوسائط تعبر عن المشاعر والذاكرة والغياب، حيث اعتمدت على تباين الألوان الصارخ أحياناً، والمنسجم أحياناً أخرى، لترسم عوالمها الانطباعية، فاستخدمت الدرجات الدافئة من الأحمر والبرتقالي والأصفر لتجسيد الدفء الإنساني والذاكرة الحية، بينما جاءت الألوان الباردة كالأزرق والأخضر الغامق لتعبّر عن الغياب والحنين. ولم تكن لمساتها اللونية عشوائية، بل محسوبة بدقة لتخلق حواراً بصرياً بين الوجوه المجردة والخلفيات، وكأن الألوان هنا هي اللغة التي تنطق بما تعجز عنه الملامح، فجاءت اللوحات أشبه بأناشيد بصرية تحتفي باللون كقيمة جمالية وعاطفية في آن واحد.
ويُعد معرض ميرة القاسم إضافة نوعية لفعاليات ملتقى الراوي في دورته الـ25، حيث يقدم رؤية تشكيلية معاصرة تجمع بين الأصالة والانزياح عن المألوف، ويؤكد حضور المرأة الإماراتية فنانة وموضوعاً وإلهاماً.