فاطمة عطفة

تميزت دولة المماليك بالقوة واتساع سلطانها على امتداد مصر وبلاد الشام والحجاز، إضافة إلى استمرار تاريخها ما يزيد على 250 سنة، هذه الخصائص المتميزة أتاحت لها الاستقرار والتنوع في البناء، ويسرّت لأبنائها أجواء ملهمة للإبداع في العلم والعمران والفنون المختلفة من اللوحات والنقوش إلى جماليات الخط،  بجانب الصناعات الخشبية والزجاجية والمعدنية المتقنة في زخارفها وألوانها. ويتأمّل زائر معرض «المماليك: الإرث والأثر» في اللوفر أبوظبي، بإعجاب وتقدير ما يُرى من جمال الإبداع في صنع الأبواب والنوافذ والأواني والأدوات من علب وأطباق وشمعدانات ومقالم، إضافة إلى المصاحف المكتوبة بأشكال فنية مختلفة الخطوط. وهذه الكنوز الأثرية ما تزال منتشرة في أكثر من ثلاثين متحفاً بين الشرق والغرب في العالم.

وتقول فاخرة أحمد مبارك الكندي، أمين معرض أول في متحف اللوفر أبوظبي، في حديثها لـ «الاتحاد»، حول أهمية العمل في استحضار هذا المعرض المهم والدقة المتناهية في تنظيمه، سواء بنقل التحف أو إعادة عرضها في صالات اللوفر أبوظبي: «تم العمل على إعداد هذا المعرض منذ سنتين، حيث استمر العمل في إحضار القطع الفنية المشاركة في المعرض من العالم العربي وترتيب وضعها»، مشيرة إلى أن المعرض يضمّ قطعاً مهمة جداً وهي محققة، وقد تم إحضار بعضها من السعودية والكويت وقطر، ومن الإمارات كذلك، والمعرض يضم تحفاً من أكثر من 30 متحفاً من العالم، ومنها متاحف الهند ونيويورك والمتحف البريطاني والمكتبة البريطانية، إضافة إلى متاحف ألمانية وإيطالية، لافتة إلى أن هذه القطع، التي حرص المشرفون على وجودها، ليس لها مثيل، حيث تمثّل أهم الفترات في عصر المماليك.

وأوضحت الكندي أنهم أرادوا أن تُعرض هذه التحف المهمة في اللوفر أبوظبي ويُلقى الضوء عليها، وهي تكشف زوايا مهمة عن المجتمع وحضور المرأة، وعن الثقافة العلمية والدينية وعن جماليات التقنية التي وصلت لمستوى عال جداً في عصر المماليك، مثل الصناعات النحاسية والمعدنية الأخرى، إضافة إلى الزجاجيات وفنون العمارة، وذلك بهدف الكشف عن هذه الفنون المعمارية من خلال التقنيات الجديدة.

وتضيف: «نحن دائماً نجهز، من البداية، السرد التاريخي الموثق، إلى جانب السرد التاريخي الموازي للدراسات الحديثة، من أجل رؤية العالم بعيون مختلفة، وليس بعين واحدة، ولتكون القصة التاريخية قصة مشتركة، وهذا الشيء متكرر في جميع معارضنا التي تمت إقامتها باللوفر أبوظبي. أما بالنسبة للجانب العملي فنحن نتعامل بمعايير عالمية، ومع المعيرين في جميع أنحاء العالم والمشاركين معنا يعرفون أن معايير المتحف عالمية، كما أن التقنية هي الأفضل من ناحية الصون والعرض والشرح عن تاريخ هذه القطع، بحيث تصل المعلومة لأكثر فئة في المجتمع، مهما كان الاختلاف ثقافياً ولغوياً وعمرياً، مع مراعاة الاهتمامات أيضاً».

وحول الاختلاف بين معرض «إرث المماليك» عن المعارض التي سبق تنظيمها في اللوفر أبوظبي، تقول الكندي:«هذا المعرض عملنا عليه مع المتاحف الفرنسية التي تضم قطعاً مملوكية نادرة، كما أن المعارض السابقة التي أقيمت في اللوفر أبوظبي كانت حول تواصل الحضارات، وهذا يشير إلى أن متحف اللوفر أبوظبي عالمي، سواء بالتواصل الحضاري أو تواصل الإنتاج الحضاري أيضاً، لأن المعارض التي أقيمت في اللوفر أبوظبي تجعلنا نُلقي الضوء بصورة أوضح على بعض الحقب التاريخية وبعض المواضيع التي كانت أساسية في الحضارات السابقة، والمماليك هنا في هذا المعرض هي سلطنة متواصلة، كما كانت مهمة في طرق التجارة، ومنطقة مهمة في طرق الحج، ومنطقة مهمة بالنسبة للتواصل عامة، سواء التجاري أو الدبلوماسي من المنطلق أن هذه المملكة كانت متصلة، وهي إنتاج مهم للتواصل الحضاري».