سعد عبد الراضي 

في أجواء مفعمة بجميل المعنى ورقي الحرف، افتتحت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي بالتعاون مع جامعة ماكغيل الكندية، معرضها المتنقّل «حبرٌ من ذهب: رحلة عبر المخطوطات العربية والإسلامية»، منطلقاً من محطة أولى تحتضنها أروقة «قصر الوطن»، لتشرق أبوظبي فنياً وتكون نقطة انطلاق لحوار حضاري يجمع بين الجمال والمعرفة، ويجسّد رسالة الثقافة الإماراتية في مدّ الجسور بين الماضي والمستقبل.
لم يكن اختيار «قصر الوطن» لاستضافة معرض «حبرٌ من ذهب» مصادفة، لأنه أيقونة معمارية تمزج بين فخامة التراث وتطلعات الحداثة، كما أنه رمز وطني يجسّد مكانة الإمارات كحاضنة للثقافة والابتكار. فمن القباب المضيئة والزخارف التي تعانق الضوء، بدأت رحلة المعرض الممتدة على مدار ستة أشهر، قبل أن يشدّ رحاله إلى جامعة ماكغيل في كندا، حاملاً بين صفحاته ذاكرة عربية كُتبت بالحبر والذهب، ليواصل حواره مع العالم بلغة الجمال والمعرفة.

كنوز متفردة
يضم المعرض مجموعة متفردة من الكنوز الفكرية والفنية، تمثل جوهر التراث العربي والإسلامي في أبهى تجلياته. بداية من مخطوطات نادرة جُمعت من مكتبات أبوظبي ومن مساهمات من «متحف زايد الوطني» و«اللوفر - أبوظبي» ومجموعات خاصة عالية القيمة تُعرض أمام الجمهور لأول مرة، لتروي قصة الحرف العربي الذي حمل على صفحاته العلوم والفلسفة والفن والدين والأدب، فكان مرآةً للعقل وروحاً للزمن.

الضوء والذهب
في هذا المعرض يتداخل الضوء مع الذهب، فتصبح الكلمة كائناً بصرياً مفعماً بالرموز. وتتداخل التجربة كأنها تستنطق الماضي، وتعيد إليه نبضه في مشهد معاصر يليق بعاصمة الإمارات. ومن هذا كله يصطحب المعرض زوّاره في رحلة استكشافية عبر أربعة فصول من الدهشة والمعرفة. وهي رحلة الخط العربي الذي تتجلى منه الحروف في أناقتها الأولى، والنقوش الحجرية والمخطوطات المزخرفة، التي تحول اللغة إلى فن بصري نابض بالهندسة والجمال، حيث زخرفة الكلمة المكتوبة حين تمتزج الألوان بالذهب، وتتحول الصفحة إلى لوحة تفيض بالخيال والروحانية، وصولاً إلى الحواشي في المخطوطات التي تبدو وكأنها عالم خفي يفتح أبوابه للزوّار.
وبالوصول إلى الطباعة الحجرية خاتمة الرحلة، تتصل المخطوطة بزمن الحداثة، وتكتسب الكلمة المكتوبة أفقاً جديداً في الانتشار، لتبقى رسالة الحبر حيّة في الذاكرة الإنسانية.

بيان ثقافي
«حبرٌ من ذهب» ليس مجرد معرض للمخطوطات، بل هو بيان ثقافي يؤكد أن أبوظبي تنظر إلى التراث بوصفه طاقة متجددة تستمد منها المجتمعات قوتها ورؤيتها للمستقبل. فالمخطوط ليس صفحة من التاريخ فحسب، بل ذاكرة حيّة تختزن رحلة الإنسان العربي والمسلم في البحث والتأمل والإبداع.
ومن خلال هذا المعرض، تُعيد العاصمة الإماراتية صياغة العلاقة بين الكلمة والفن، بين العقل والبصيرة، لتقدّم للعالم مشهداً مهيباً من جمال الخط العربي وعمق الفكر الإسلامي، وتُذكِّر بأن الذهب الحقيقي هو ما يُسطَّر بالحبر على الورق، وما يظل يُنير العقول مهما تبدلت الأزمنة.