فاطمة عطفة

تُشكّل جزيرة السعديات واحة ثقافية فريدة في الخليج العربي، وإذا كنت في طريقك لزيارة متحف اللوفر أبوظبي، فسوف تُبصر عن بُعد قبته الزرقاء وسط حلقة من المباني البيضاء المحاطة بالمياه، وكأن الزائر قادم إلى مدينة صغيرة قائمة وسط البحر. إنه تحفة معمارية متميزة وعلامة حضارية تتفرد بها العاصمة أبوظبي. 
ويتيح المتحف لزواره التنقل بين صالاته العديدة الحافلة بكنوز التاريخ وثقافات الشعوب، على اختلاف بلدانها وأزمنة حضاراتها، حيث يشعرون أنهم انتقلوا من مدنهم ومحيطهم الاجتماعي ليطوفوا بين مئات التحف والصور والمعلومات التراثية المتنوعة والباقية من حضارات الأقدمين في مناطق عدة من العالم، وعبر آلاف السنين.

من خلال مشاهدة كنوز المتحف، يرى الزائر آثار الشعوب وحكاياتهم منذ أقدم العصور، ويطلع على نماذج من صور بيئتهم وأدوات شغلهم وطرق عيشهم واهتماماتهم، ووسائل تنقّلهم في البر والبحر، وأنماط حياتهم وسكنهم وتصرفاتهم في أوقات السلم والحرب. إن ما نشاهده في صالات المتحف، على تنوّعها واختلافها، يكشف لنا عبقرية الإنسان في مواجهة الظروف وتوفير الحياة الآمنة، إضافة إلى السعي للتطور والتجديد، وأهمية التواصل بين الشعوب وتبادل المعارف والقيم وجمال الاطلاع على ثقافاتهم وأنماط عيشهم. ويؤكد المتحف لكل زائر أهمية الصورة، إلى جانب أهمية الكلمة التي توضّح التحفة الأثرية، وما يصاحبها من قصص.

ولا تقتصر أهمية المتحف على الجانب التراثي والتاريخي، إنما تقام فيه معارض أثرية وفنية مؤقتة، كما تُنظم فيه ندوات ثقافية حول كثير من الموضوعات الفكرية والفنية التي تعبر عن أهمية التواصل والحوار بين الثقافات على اختلاف نظمها الاجتماعية وفضاءاتها الفكرية ومعتقداتها. ويُنظّم المتحف برامج للزمالات والمنح الدراسية في مجال البحوث التي تسهم في تعزيز التعاون الأكاديمي بين الجامعات والمراكز العلمية في العالم. ويواصل البرنامج مهامه في تقديم عروض بهدف دعم المشاريع البحثية التعاونية بين متحف اللوفر أبوظبي وشركائه الدوليين، ليُعزز بذلك دوره مركزاً للبحث النقدي والتبادل الأكاديمي العابر للحدود.

جسر معرفي 
ويُشكّل المتحف جسراً أكاديمياً للتراث والثقافة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، حيث يرعى ويُشرف على استضافة كبار الفنانين المعاصرين ليقدموا وجهات نظرهم الحداثية، ويسهموا في إغناء استراتيجيات تنسيق المعارض، لكي يفتتح وجهات نظر بديلة لرسالة الفن وتاريخه، كما يستضيف باحثين وأكاديميين من أهم الجامعات، ولا سيما من المختصين بالدراسات الشرقية والأفريقية، وبذلك، تهدف رسالة المتحف إلى جمع مفكرين من حول العالم؛ لتتناغم أبحاثهم مع رؤية متحف اللوفر أبوظبي في الشمولية والحوار الثقافي العابر للحدود.

والدروس والفوائد الكبيرة التي يقدمها المتحف لا تقتصر على زيارة الكبار وحدهم، إنما للأطفال حضورهم ومكانتهم من خلال زيارة المتحف مع أهاليهم لاكتساب المعرفة والاستفادة من محتوياته الأثرية والتراثية والفنية، كما أن فيه صالة ليمارس فيها الأطفال هواياتهم في التشكيل وتنمية مهاراتهم الفنية. ولعل الأطفال، قبل الكبار، لا ينسون المعرض الأدبي والفني الكبير برسومه وحكاياته: «من كليلة ودمنة إلى لافونتين» الذي استضافه متحف اللوفر أبوظبي في العام الماضي، وكان من أهم المعارض وأكثرها تنوعاً وجمالاً ومتعة.

فن العمارة 
يشير الموقع الإلكتروني الرسمي لمتحف اللوفر أبوظبي إلى التصميم الهندسي الاستثنائي للمتحف، الذي وضعه المهندس المعماري الفرنسي جان نوفيل، أحد أهم المهندسين المعماريين في الخمسين سنة الأخيرة. وقد وضع نوفيل تصوراً لمبنى رائع لمتحف اللوفر أبوظبي في جزيرة السعديات، مستمداً الإلهام من فن العمارة العربية والتقاليد الإماراتية. وكلّل جان نوفيل تصميمه للمتحف بقبّة فضية ضخمة تبدو وكأنها تطفو فوق مدينة المتحف بأكملها. وعلى الرغم من أنها تبدو خفيفة الوزن، إلا أن القبة تزن نحو 7500 طن، أي ما يعادل وزن برج إيفل في باريس. وتُعد قبة المتحف، المستوحاة من الهندسة المعمارية العربية، بنية مُعقّدة مُكونة من 7.850 نجمة، مُكرّرة بمختلف الأحجام والزوايا في ثماني طبقات مختلفة. وعند مرور الشمس فوقها، تنساب أشعتها من خلال نجوم القبة لرسم تأثير مُلهم داخل المتحف، يُعرف باسم «شعاع النور». هذا التصميم مستوحى من الطبيعة وأشجار النخيل في أبوظبي، فأوراقها تلتقط أشعة الشمس الساطعة من أعلى بحيث تنساب بُقعاً من الضوء على أرض المتحف.

حقائق وأرقام 
يستعرض موقع المتحف الإلكتروني عدداً من الحقائق والأرقام، منها: «يبلغ الوزن الكلي للقبة 7.500 طن، أي ما يعادل وزن برج إيفل في باريس. وتتألف القبة من ثماني طبقات مختلفة: أربع طبقات خارجية مغطاة بالفولاذ المقاوم للصدأ وأربع طبقات داخلية مغطاة بالألمنيوم. وتضم 7.850 نجمة. ويبلغ قطر أكبر نجمة 13 متراً وتزن 1.3 طن. تقوم القبّة على أربع دعامات وهي التي تُعطيها تأثيرها العائم. تبعد كل دعامة عن الأخرى 110 أمتار، وهي مُدمجة في بنيان المتحف. يبلغ قُطر قاعدة القبة 180 متراً. يقع متحف اللوفر أبوظبي على ارتفاع 40 متراً عن مستوى سطح البحر، ترتفع القبة 36 متراً فوق سطح الأرض».