الشارقة (الاتحاد)

أكد مختصون أن التنمية الاقتصادية الحقيقية لا تقاس بزيادة الثروة فقط، بل بقدرة المجتمع على استثمار هذه الموارد في الإنسان، وتعزيز جودة المعرفة، وترسيخ بيئة أعمال عادلة تقوم على الشفافية والحوكمة والمسؤولية. جاء ذلك خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات الدورة الـ 44 من «معرض الشارقة الدولي للكتاب»، بمشاركة الدكتور عمرو صالح، المستشار الاقتصادي لدائرة التنمية الاقتصادية بالشارقة، والمستشار عبدالله سيف العطر، الخبير المالي، وإدارة سمية أحمد المازمي من اقتصادية الشارقة. انطلق الدكتور عمرو صالح في حديثه من تفكيك المفاهيم الأساسية للتنمية، مؤكداً أن أي نهضة اقتصادية تبدأ من الإنسان، لا من حجم الموارد، وأوضح أن الثروة مهما تضاعفت، تبقى «مجرد أرقام» ما لم تتحول إلى تعليم متقدم، ورعاية صحية فاعلة، وبنية تحتية تقود النمو، وبيئة مؤسسية تحرّك طاقات المجتمع، وبيّن أن النمو قد يتحقق بارتفاع العوائد، لكن التنمية عملية أطول وأعمق تقوم على تراكم الخبرة والمعرفة، وتستند إلى عملٍ مشترك يجمع الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع ضمن رؤية واحدة.
وأشار إلى أن التنمية المستدامة ظهرت عالمياً باعتبارها التزاماً أخلاقياً تجاه الأجيال القادمة، قائلاً إنّ الموارد الطبيعية «تراث عالمي يجب الحفاظ عليه»، محذِّراً من أن العالم استهلك خلال العقود الثلاثة الأخيرة جزءاً كبيراً من هذا التراث نتيجة التلوث والصيد الجائر وقطع الغابات. وأكد أن الاستدامة ليست شعاراً عاماً، بل مسؤولية عملية تبدأ بترشيد استهلاك الموارد وضمان بقاء المنفعة عبر الزمن.
من جانبه، أكد المستشار عبدالله سيف العطر على أن الشفافية تمثّل «الأساس الذي تُبنى عليه الثقة»، مؤكداً أن الأسواق تدار اليوم وفق تقارير دقيقة، وإفصاح مالي موثق، ومدققين مستقلين، ولجان رقابية تعزّز وضوح المعلومات أمام المستثمرين، وأوضح أن نقص المعلومة أو ضعف مصدرها يؤدي غالباً إلى قرارات خاطئة تضر بالمستثمر وبالسوق معاً، في حين أن الإفصاح السليم يخلق بيئة أعمال مستقرة وجاذبة لرأس المال.
وأشار العطر إلى أن المفهوم الحديث للتنافسية يقوم على «التنافسية الرحيمة» التي تحمي الأطراف الضعيفة وتمنع الممارسات الجشعة، وتراعي توازن السوق على المدى الطويل، وأكد أن اقتصاد المعرفة أصبح أحد الأعمدة الرئيسة لنمو الأعمال، وأن دخول السوق يتطلب مهارات تحليل وتعلم مستمر وقدرة على اتخاذ قرار مالي مبني على المنطق والأرقام لا على الانطباعات أو الإشاعات.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن التنمية الاقتصادية المستدامة لا تُبنى على النمو وحده، بل على الحوكمة والمعرفة والتقنية والمسؤولية المشتركة، ودعا المتحدثون إلى تعزيز الشفافية، وتطوير المهارات المستقبلية، والاستثمار في الإنسان باعتباره الأساس الحقيقي لأي اقتصاد قوي قادر على مواجهة التحديات العالمية.