في بدايات العمر، نقف في طرف الحياة، نراقب الأشياء من بعيد، نرى من يضع نظارة قراءة فنبتسم بلا اكتراث، ونشاهد من يصلّي على كرسي فلا نرى في المشهد شيئاً يخصّنا، ونعلق على صديق قد زاره الصلع مبكراً، نرى العكازات في الأسواق ولا نكترث، نسمع عن ارتفاع ونزول الضغط والسكر وكأن الأمر مجرد رواية.
في تلك البدايات، نظن أن أجسادنا قلعةٌ منيعة وأن الزمن لا يملك مفاتيحها، نركض بخفة الريح، ونحسب أن الطريق طويلٌ بما يكفي لنؤجل كل تعبٍ إلى «حينٍ آخر».
تغزونا خيوط الشيب كما تغزو الفجرَ خيوط الضوء، تنخفض نبرة أصواتنا فيولد من بين حروفها حكمةٌ هادئة ووقار، ونجلس على كرسي الصلاة فنشعر بأن السجود لا يحتاج دائماً إلى ركبٍ قويّة، بل إلى قلبٍ مطمئنّ، نبحث عن نظارةٍ لا لنرى العالم فحسب، بل لنرى أنفسنا بوضوحٍ جديد.
نزور العيادات بين الفترة والأخرى، يتساقط الشعر فنبحث عن وسيلة لتعيد كثافته وسواده، وتغدو الأشياء التي كانت غريبة رفيقة وقريبة، وينظر أولادنا لما يحدث لنا ويعتقدون أنه بعيد عنهم.. تماماً كما كنّا نراه.
ندرك حينها أن هذه الأشياء لم تكن بعيدة، بل كانت تنتظرنا عند زاوية من زوايا الحياة بابتسامةٍ هادئة، نكتشف في النهاية أننا لم نُخلق لنقاوم الزمن، بل لنتعلّم منه، نخضع لقوانينه، قبولاً لحكمة الخالق في دورة الحياة.
***
أن تكبر.. لا يعني أن تضعف، 
بل إن ترى العالم بعينٍ أقلّ حِدّة، وأكثر بصيرة.
أن تمشي أبطأ، لكن بثباتٍ أجمل.
أن تتكلم أقلّ، لكن بكلماتٍ أعمق.
أن تشكر جسدك لأنه ما زال يقودك، 
وقلبك لأنه ما زال يحبّ رغم كل ما مرّ به من فصول.
* وقفة تأمل:
- هل كبرنا، أم صغرت الأشياء التي كانت تُدهشنا، والتي تجعل من كل جديد عيداً صغيراً؟
- حين نقف أمام المرآة، ما الذي يدهشنا في صورنا: نحن كما كنّا، أم نحن كما صنعنا الزمن؟
- كم من الأشياء ظنناها تخصّ الآخرين، ثم تسللت إلينا واستقرت فينا بلا استئذان؟