سادت عبارة (لحوم العلماء مسمومة)، ويُقصد بها حماية علماء الدين من ألسنة العامة. وهي مقولة ليس لها أصلٌ شرعي، بل هي مناقضةٌ لمراد الشرع، لأن الشرع لا يميّز بين الناس، وكل لحوم الناس مسمومةٌ شرعاً، ولكنها تعبيرٌ يعود إلى أصل ثقافي، حين تجنح فئة محددة لتحقيق مقام افتراضي تكتسب فيه تميزاً عن غيرها ويمنحها ذلك مناعةً ثقافيةً، وهي تماثل مصطلح النخبة الذي يجعل فئة ثقافية تتعالى على غيرها، وتجعل رؤيتها وذوقها فوق رؤى غيرها وأذواقهم، ومن ذلك مصطلح الفحولة الشعرية، وفيه أيضاً تحضر مقولة اللحوم المسمومة، وعلامتها كلمة المتنبي (وعداوة الشعراء بئس المقتنى)، وهذا يعود لافتراضات ثقافية تقوم على طبقية اجتماعية تخص بعض فئات من المجتمع، فالشعراء مثلاً أمراء الكلام، حسب مقولة الخليل بن أحمد، يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، وذلك رغم وصفه لهم بأنهم يقلبون الحق لباطل والباطل لحق، وهم الفحول حسب درجات ترقي بعضهم للطبقة الأولى وتسلسل الطبقات إلى العاشرة، وأقل مستوى من الطبقات سيكون أعلى من أي فئة من سائر البشر. ومرّ الزمن الثقافي في حال انحياز مطلق للشاعر ضد أي محاولة لنقده أو التعرض له، لدرجة أن الأحكام الشرعية تسقط بحجة استخدام الآية الكريمة في أنهم يقولون ما لا يفعلون، مما يجعل ما يقولونه شعراً لا يقوم مقام الاعتراف بأي جُنحة، ولو قيل القول نفسه في خطاب نثري لتمت محاسبته، بمعنى أنها حالةُ مجاهرة بالإثم. ونلحظ أن الفقهاء يقولون في الشعر ما لا يقولونه في النثر، من دون أي حياء أو تحوّط مع الشعر. ومن الطريف أن الشاعر لا يهجوه إلا شاعرٌ مثله، ويُعد هذا باباً من أهم أبواب الفحولة، لدرجة أن الشاعر الذي لم يبرز في فن الهجاء لا يدخل في معنى الفحولة، وبين الشعراء يجري تقبُل فن المعارضة، بأن يكتب شاعرٌ قصيدةً يعارض بها شاعراً آخر، مقتفياً الوزن والقافية والغرض، ويباح هذا بين الشعراء، ولكن ويلٌ لمن ينتقد شاعراً فحلاً حتى ولو لَحَن، كما رُوي عن الفرزدق في رده على نحوي حاول أن يُصلح لحناً نحوياً، وسأل كيف رفعت منصوباً؟ فقمعه الفرزدق بقوله: (على ما يسوؤك وينوؤك علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا) ثم هجا النحوي هجاءً مقذعاً، والبحتري يقول (وما عليّ لهم أن تفهم البقرُ)، وهذا ما ترجمه المتنبي بقوله (وعداوة الشعراء بئس المقتنى). وتحوّلت الحصانة مع تعاقب الأزمنة الثقافية، لتصل إلى من يصفون أنفسهم بالنخبة، مجاراةً لطبقية فحول الشعراء وحصانة لحوم العلماء، حيث يجري التمييز الطبقي بين الفئات.
* كاتب ومفكر سعودي - أستاذ النقد والنظرية
/  جامعة الملك سعود - الرياض