فاطمة عطفة (أبوظبي)

تمثل مجموعة البطاقات الفنية «اقتباسات من مكتبة د. لميس أبوحليقة»، الصادرة عن دار نشر ارتقاء الإمارات، تجربة ثقافية لافتة تمزج بين الفن التشكيلي والحكمة المكتوبة، حيث يحمل أحد وجهي كل بطاقة لوحة تشكيلية من رسم الدكتورة لميس، فيما يضم الوجه الآخر اقتباساً مختاراً بعناية من كتاب قرأته، يعكس قيمة إنسانية أو فكرة تأملية عميقة.
وفي حوار مع «الاتحاد»، تتحدث الدكتورة لميس أبوحليقة عن هذه التجربة، وجذورها الفكرية، وعلاقتها بالقراءة، والأسرة، والتراث، والمشاريع الثقافية المقبلة.

قراءة وتأمل
وعن فكرة هذه البطاقات، تقول الدكتورة أبوحليقة: «هذه البطاقات ليست مجرد أعمال فنية، بل هي شواهد على رحلة قراءة وتأمل وتجربة حياتية امتدت عبر سنوات. اللوحة في أحد وجهي البطاقة تمثل إحساساً أو حالة شعورية عشتها في مرحلة معينة، وقد قمتُ برسم هذه اللوحات بنفسي في مراحل مختلفة من حياتي، ولكل لوحة قصة وحكاية خاصة». وتوضح أن الخامات تنوعت بين الرسم الزيتي والأكريليك، بما يعكس تنوع المشاعر والتجارب الإنسانية في كل مرحلة.
أما الاقتباس في الوجه الآخر فتصفه بأنه «خلاصة فكرة أو موقف إنساني لامسني أثناء القراءة»، مبينة أن هذه الاقتباسات مأخوذة من قراءات فكرية وأدبية متنوعة، عربية وعالمية، في مجالات الفلسفة، والأدب، والسير الذاتية، والتنمية الإنسانية، وقد اختارت منها الجمل التي تحمل عمقاً إنسانياً، وتصلح لأن تكون رفيقاً يومياً للقارئ، لا شعاراً عابراً، بل فكرة نعيشها ونتأملها بعمق.

من القراءة إلى التدريب
وتضيف: «هذه الاقتباسات ألهمتني شخصياً في رحلتي نحو تحقيق أهدافي، وأرى أنها قادرة على إلهام الآخرين في مساراتهم المختلفة. ومن خلال عملي كمدربة معتمدة في مجال الكوتشنج والتدريب، وجدت أن هذه البطاقات أداة فعالة في جلسات التدريب الفردية والجماعية، حيث تُستخدم لفتح حوار عميق مع الذات، وتحفيز التفكير والتأمل».

علاقة تكامل
وحين يُطرح التساؤل حول هذا التكوين المعرفي الواسع، وما إذا كان نابعاً من اختصاصها الطبي أو من البيئة الثقافية الإماراتية، توضح الدكتورة لميس:
«تخصصي في الطب والجراحة والرعاية الصحية، ودراستي في دبلن، أسهما بشكل واضح في توسيع أفق التفكير والتحليل لدي. فالطب ليس علماً جسدياً فقط، بل علم إنساني في جوهره، يضع الإنسان يومياً أمام أسئلة الحياة، والألم، والصبر، والمعنى».
وتؤكد في المقابل أن جذور اهتمامها الثقافي تعود إلى الإمارات، قائلة: «نشأت في بيئة تحتفي بالقراءة، وتحترم التراث، وتشجع المعرفة منذ الطفولة. الإمارات منحتني الأساس الثقافي والهوية، بينما أضافت الدراسة في الخارج بُعداً عالمياً للتجربة. إنها علاقة تكامل لا تعارض».

ابن سينا 
وتتوقف الدكتورة لميس عند شخصية ابن سينا بوصفه نموذجاً ملهماً، قائلة: «ابن سينا مثال حي على أن المعرفة الحقيقية لا تتجزأ، فقد جمع بين الطب، والفكر، والفلسفة، والعلوم الإنسانية، وهو ما نحتاج إليه اليوم في عالم تتقاطع فيه التخصصات». وتلفت البطاقات النظر إلى إهداءات خاصة، من بينها بطاقة تحمل عبارة: «لأمي ملهمتي الأولى… شكراً لك لكل الحب والعطاء الذي غمرتنا به… ولمكتبتك التي تعلمنا منها».
وعن هذا الإهداء، تقول الدكتورة لميس: «الأم هي المدرسة الأولى، والذاكرة الأولى، والأمان الأول. إهدائي لوالدتي هو اعتراف صادق بدورها العميق في تشكيل شخصيتي وقيمي، فحب القراءة لم يكن وليد الصدفة، بل نشأ في بيت يرى في الكتاب صديقاً لا ترفاً».
وتضيف: والدتي حرصت منذ الطفولة على تغذية المكتبة المنزلية بمختلف أنواع الكتب، مؤكدة أن مكتبة الأسرة ليست مجرد رفوف كتب، بل مساحة للحوار وبناء الوعي وغرس القيم. وتتابع: «أؤمن بأن المبدع الحقيقي يحتفظ بجزء طفولي داخله، تلك الدهشة الأولى، والقدرة على الفرح، والنظر إلى العالم بعيون متسائلة. الإبداع لا يولد من العقل وحده، بل من القلب والخيال والشغف الصافي».