سعد عبد الراضي
يحضر معرض «تعابير إبداعية» الذي أطلقته وزارة الثقافة، ويستمر حتى التاسع من يناير القادم، بوصفه مرآة صادقة لمسارات الإبداع في دولة الإمارات، وسردية ثقافية تتجاوز حدود العرض التقليدي لتغوص عميقاً في جوهر التجربة الإنسانية للمبدع. المعرض، حيث يقدّم بانوراما فنية ومعرفية واسعة، تضع الزائر أمام مشهد متكامل من الرؤى والتجارب التي تشكّلت عبر البحث والتجريب والمثابرة.
يمتد المعرض بين المسرح الوطني ومركز أبوظبي الثقافي، ليصوغ رحلة بصرية تتبع خيوط الإبداع منذ لحظته الأولى، حين تكون الفكرة هشّة وقابلة للتشكّل، وصولاً إلى العمل الفني المكتمل الذي يحمل بصمة صاحبه ورؤيته الخاصة للعالم. وفي هذا الامتداد المكاني، تتجاور الأعمال لتكشف تنوّع الحقول الإبداعية، من الأدب والكتب، إلى التراث الثقافي، والسينما والتلفزيون، والفنون الأدائية والمسرح، مروراً بالفنون التشكيلية والتصميم، وألعاب الفيديو، والموسيقى، في مشهد يعكس اتساع الأفق الثقافي وتعدّد لغاته.
-
ولا يكتفي «تعابير إبداعية» بتقديم النتاج النهائي، بل يضيء على ما خلف الكواليس، على الأسئلة التي رافقت الفنانين، والمحطات التي شكّلت تحوّلاتهم، والعلاقة الدقيقة بين التجربة الشخصية والدعم المؤسسي. فالمعرض يروي، بصمتٍ مدروس، قصة منظومة ثقافية ترى في الإبداع استثماراً في الإنسان، وتؤمن بأن بناء القدرات لا يقل أهمية عن إنتاج الأعمال نفسها.
ويمنح هذا الطرح الزائر فرصة نادرة للتأمل، لا في جماليات الأعمال فحسب، بل في السياقات التي وُلدت فيها، وفي الحوارات غير المرئية بين الماضي والحاضر، وبين التراث والابتكار. هنا، تتحوّل الثقافة إلى فعل حيّ، وإلى مساحة تفاعل تُشرك الجمهور في فهم أعمق لمعنى الإبداع ودوره في تشكيل الوعي الجمعي.
مشروع مستمر
بهذا المعنى، يغدو المعرض أكثر من محطة فنية، ليكون بياناً ثقافياً يؤكد أن الإبداع الإماراتي مشروع مستمر، يتجدّد مع كل تجربة، ويترسّخ بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، وركناً أساسياً في بناء مستقبل ثقافي نابض بالحياة والمعنى.