فاطمة عطفة
تشكِّل مكتبة الأسرة أهمية بالغة لأفراد الأسرة، كباراً وصغاراً، فحين يرى الطفل والديه مهتمَين بالكتاب وقراءته ومناقشة موضوعه، يسعى إلى تقليدهما وينشأ على محبّة القراءة واقتناء الكتب الجديدة للاطلاع عليها، واكتشاف ما فيها من معارف ومعلومات تاريخية أو قصص أدبية وتجارب إنسانية تزيد من وعيه وتُغني ثقافته. وتمثِّل مكتبة الأسرة بيئة فكرية للتواصل وتزيد من التآلف الأسري، وتخفّف من تأثير مواقع التواصل الاجتماعي وكثرة موضوعاتها المتناقضة.
وحول أهمية مكتبة الأسرة ودورها المهم، استطلعت «الاتحاد» آراء نخبة من الأدباء والمثقفين للاطلاع على آرائهم.
تقول الدكتورة جميلة خانجي: يمكن للمكتبة المنزلية أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز التواصل والالتحام الأسري، لاسيما في ظل هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي التي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى العزلة أو ضعف الروابط الأسرية، ويمكن أن تكون المكتبة المنزلية مكاناً مخصّصاً للقراءة، حيث يجتمع أفراد الأسرة لقراءة الكتب معاً. ويمكن أن تكون هذه اللحظات فرصة لمناقشة الأفكار والقصص، ما يعزِّز التواصل، ويُزيد من تقارب أفراد الأسرة.
وترى د. خانجي أن من أهم الاستراتيجيات للتخفيف من اللجوء إلى التكنولوجيا والإدمان عليها هو إنشاء بيئة تشجّع على القراءة، ومناقشة الأفكار والآراء، لتعزيز الحوارات، ومساعدة أفراد الأسرة في تقليل الوقت الذي يقضونه على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعزِّز من جودة التفاعل والتآلف الأسري.
وحول القيَم والتجارب الإنسانية التي توفّرها القراءة والحوار، تقول: القيَم الإنسانية الجوهرية المشتركة، بغضّ النظر عن خلفايتنا الثقافية أو الاجتماعية، تمثِّل المبادئ الأساسية التي تشكِّل سلوكيات الأفراد وتفاعلاتهم مع بعضهم البعض ومع العالَم من حولهم، مؤكدة على أن هذه القيَم تعكس ما يعتبره الناس مهمّاً وذا معنى في حياتهم، كالاحترام، والصدق، والمسؤولية، والتسامح، والعفو، والتعاطف، والأمانة، والعدل.
التقدم التكنولوج
أما عن التحديات التي يمكن أن تواجه مكتبة الأسرة، وكيف يمكن الاستفادة من التقدم التكنولوجي لتعزيز حضورها وتعزيز قيمتها، تقول د. خانجي: أهمّ هذه التحديات في نظري هو عدم الوعي بأهمية مكتبة الأسرة، والأثر النوعي المعرفي والنفسي والاجتماعي الذي قد تتركه على أفراد الأسرة.
وتضيف: مع الطّفرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي يصبح الاهتمام بالمكتبة الورقية أقل، ولاسيما أن التكنولوجيا وفّرت كمّاً هائلاً من المعلومات وفي ثوان تكون حاضرة أمامنا، ونستطيع الاستفادة من التقدم التكنولوجي من خلال الكتب الصوتية والإلكترونية والتطبيقات والبرامج التعليمية على الإنترنيت. وبذلك نكون قد قمنا بدمج التكنولوجيا لتعزيز مهارة القراءة، ما يساعد على تعزيز التواصل الإيجابي بين أفراد الأسرة.
مساحة للحوار
من جانبها، تقول الإعلامية د. عزة هاشم: تصبح المكتبة المنزلية مساحة مشتركة للحوار، حين يحرص الأب والأم على القراءة والنقاش، فيغدوان قدوة للأبناء، كما أن تخصيص أوقات خالية من الشاشات لمناقشة موضوعات القراءة، ومشاركة الأبناء في اختيار الكتب، يعزّز التواصل الأسري ويربطهم بالمكتبة المنزلية.
وتضيف: تكمن القيمة الجوهرية في أن البيت الذي تسوده الثقافة والقراءة يزرع أثراً ممتداً في الأبناء، حتى وإنْ لم يظهر فوراً، لأن غرس حب المعرفة في سنٍّ مبكرة يرافق الإنسان طوال حياته، ويثمر في مراحل لاحقة من العمر.
وبالنسبة للتحديات التي تواجه مكتبة الأسرة، وكيف يمكن الاستفادة من التقدم التكنولوجي لتعزيز دورها، ترى د. عزة أن التحدي الأكبر هو هيمنة الشاشات التي تُزاحم فعل القراءة. ويمكن التعامل مع هذا الواقع عبر المزج بين القراءة الورقية والرقمية، والاستفادة من النقاشات الافتراضية، بما يحقق توازناً يعترف بروح العصر ويُعيد للقراءة حضورها بأشكال متعددة.
ملاذ فكري
أما الكاتب والإعلامي ظافر جلود فيقول: تُعد المكتبة المنزلية اليوم أكثر من مجرد رفوف للكتب، إنها ملاذ فكري آمن يستطيع لمَّ شمل الأسرة بعيداً عن ضجيج التنبيهات والخوارزميات التي تُكرِّس العزلة الفردية. ويمكن للمكتبة المنزلية أن تُغني التواصل والتآلف الأسري وتحويل القراءة من فعل فردي إلى نشاط جماعي، بدلاً من انشغال كل فرد بهاتفه، وبذلك تكون المكتبة منطلقاً لفعاليات مشتركة، مثل جلسات القراءة وتخصيص وقت يقرأ فيه الآباء للأبناء أو العكس، ما يوفّر لحظات من الدفء العاطفي والتركيز المشترك. ويؤدي ذلك إلى بناء ذاكرة وقيَم مشتركة مع المكتبة تعكس هوية الأسرة وتاريخها، بدءاً من الكتب المتوارثة، ككتب قرأها الأجداد أو الآباء، لربط الأبناء بجذورهم، وكسر حواجز الأجيال مع وسائل التواصل، حيث يعيش كل جيل في «فقاعة» خاصة به. وتأتي مكتبة الأسرة لتمزج هذه العوالم عبر تبادل الأدوار، بحيث يمكن للابن أن يشرح لوالده كتاباً عن التكنولوجيا الحديثة، بينما يشرح الأب لابنه كتاباً في التاريخ أو الأدب الكلاسيكي، ما يعزّز الاحترام المتبادل.
ويوضح جلود أن مكتبة الأسرة تواجه تحديات كبيرة في عصرنا الحالي بسبب التحولات الرقمية السريعة وتغيُّر عادات القراءة. وتتمحور التحديات حول المنافسة الشرسة على وقت وانتباه أفراد الأسرة، ثم هيمنة المحتوى الرقمي السريع الذي أصبح يفضله الكثيرون، ولاسيما الأجيال الناشئة، واستهلاك المحتوى القصير عبر منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من قراءة الكتب الطويلة، نظراً لارتفاع تكاليف الطباعة والنشر وارتفاع أسعار الورق والخدمات اللوجستية التي جعلت من اقتناء الكتب الورقية عبئاً اقتصادياً على بعض الأُسر.
ويرى جلود أن القيَم الجوهرية هي البوصلة الداخلية التي توجّه سلوك الإنسان وتحدد كيفية تفاعله مع العالَم من حوله.
وفي التجربة الإنسانية، لا تقتصر هذه القيَم على مجرد أفكار نظرية، بل هي الركائز التي تمنح الحياة معنى وتجعل المجتمعات متماسكة وقائمة على التجارب الإنسانية مثل النزاهة والصدق والثقة، وهي العملة الأساسية التي تقوم عليها العلاقات الأسرية، والمهنية، والاجتماعية.
قيَم جوهرية
يقول الكاتب والإعلامي خالد صالح ملكاوي: إن المكتبة المنزلية لا تعود مجرد رفوف وكتب حين تتحوّل إلى ممارسة يومية تعيشها الأسرة بقراءات فردية أو مشتركة، ونقاشات قصيرة تُختتم بتبادل وجهات النظر. وهي بذلك تصير جسراً حقيقياً للتواصل، وتخفّف صخب الشاشات، وتعيد ترتيب مركز البيت حول معنى مشترك هو المعرفة.
ويرى أن مكتبة الأسرة تواجه تحديات لا تُخفى، وأولها هيمنة المنصات وتشتت الانتباه، وتباين الأذواق والأعمار، وتكلفة اقتناء الكتب. لكن هذه العوائق قابلة لتتحوّل إلى فرص عملية، حيث يمكن تدوير الكتب مع الأقارب والأصدقاء، والاشتراك في نوادٍ رقمية للقراءة، وتقليل التكلفة بالنسخ المستعملة والكتب مفتوحة المصدر، إلى جانب دمج الوسائط الحديثة كالكتب الصوتية والكتب الإلكترونية، على أن يُتاح لكل فرد اختيار ما يستهويه ضمن هدف عائلي واحد. ومع المثابرة والتكرار، تتجاوز المكتبة دور المستودع، لتصبح مؤسسة بيتية مهمة تهذّب الذائقة، وتبني مخزوناً من القصص والقيَم المشتركة، وتوفّر مرجعاً للحوار حول قضايا الحياة اليومية. وهنا تغدو المكتبة ميراثاً حيّاً ينمو تلقائياً بما يضيفه الأبناء والآباء. وتغدو مائدة لا تُطوى، بل تستعاد فوقها القيَم الجوهرية للتجارب الإنسانية، وتتحوّل من مبادئ عامة إلى سلوك يومي. ومع كل كتاب يُختم، لا تتسع المعارف فحسب، بل يتّسع البيت ذاته بوئامه ودفئه.