هزاع أبو الريش

تلعب المؤسسات الثقافية والجهات المعنية في الشأن دوراً مهماً في تعزيز مفهومية الأسرة. وتماشياً مع رؤية القيادة الرشيدة والتوجيهات السامية، بتخصيص عام 2026 عاماً للأسرة تعزيزاً لأهداف الأجندة الوطنية لنمو الأسرة الإماراتية، بجانب ترسيخ الوعي الثقافي المعرفي لمجتمع دولة الإمارات من مواطنين ومقيمين، لا بد من الإصرار على مواكبة الفكرة بروح الابتكار والإبداع والتجديد للوصول إلى ما ترنو إليه الرؤية السديدة. ولا بد أن تكون المؤسسات في صلب الحراك الثقافي الأسري، الذي يعزِّز دور الثقافة كونها الشريك الاستراتيجي الأمثل في بناء الأجيال.

تقول الدكتورة رفيعة غباش، مؤسِّسة ومديرة متحف المرأة ومؤسِّسة متحف الفن الإماراتي: هناك ارتباط كبير بين السردية الثقافية ومفهومية الأسرة، ومن الضروري تعزيز هذا المفهوم لدى المعنيين في الشأن الثقافي، كون الأسرة هي الركيزة التي تصب في عمق الوطن، ولاسيما أن الجيل الحالي بحاجة إلى مرجع حقيقي ينغمس بوجدانيته ويجعله أمام حالة من الوعي الثقافي والعمق الفكري. وهذا لا يأتي إلا بدور مهم ومُلهم في الوقت نفسه من الأسرة التي تُدار دفتها من أولياء الأمر، وذلك عبر تعزيز قيمة الثقافة ومدى أهميتها، وإيلاء الأبناء أقصى درجات الاهتمام من الجانب الفكري الثقافي، باعتبارهم جزءاً أساسياً من النسيج المجتمعي في دولة الإمارات. وتلفت إلى أن المجتمع الإماراتي، منذ خمسينيات القرن الماضي، مثال للنضج المعرفي.
وتقول: هذا ما جعلني أقف أمام مشهد تحولات المدينة، وبدافع راية الثقافة والدعم المجتمعي والتواصل الأسري الذي يخدم الأجيال، بات هاجسي منشغلاً لإيصال الرسالة الوطنية. ومن هنا بدأت فكرة دور المرأة الإماراتية عبر متحف المرأة في «بيت البنات» تتبلوّر، وعبر توثيق تاريخ الحركة الفنية وصياغة مفردات الكثير من أنواع الفنون، من خلال «للإبداع بيت» حيث حوّلت منزل والدتي في منطقة الحمرية بدبي إلى مركز إبداعي لأستعيد نبض هذا المكان، ليكون إرثاً حياً للأجيال ومرجعاً معرفياً تاريخياً وطنياً ينبض بالثقافة والهوية.
وتتابع: لابد من وجود حراك ثقافي كبير يواكب للرؤية الوطنية في «عام الأسرة»، ويتماشى مع الرؤى القيادية الرشيدة، لأن تكون الأسرة حصينة، ورصينة، وقادرة على تحديات الحياة من خلال حصيلة معرفية ثقافية عالية في المحتوى والمضمون، وأن تكون المبادرات التي تطلقها المؤسسات والجهات المعنية استثنائية ومبتكرة تخدم نطاق الأسرة، وتعزِّز من دور الثقافة على الصعيد المتجدِّد وغير المعتاد بإمكانية التأثير.

 

دور جوهري

تقول الناقدة والأكاديمية الدكتورة فاطمة المعمري: أؤمن بأن للمؤسسات الثقافية والجهات المعنية دوراً جوهرياً في تعزيز مفهوم الأسرة بوصفها النواة الأولى للمجتمع، والحاضنة الأساسية للقيَم والهوية والتماسك الاجتماعي. فالثقافة، في جوهرها، ليست نشاطاً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل قوة ناعمة تؤثر في الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل علاقة الفرد بذاته وبأسرته وبمحيطه. وتضيف: من خلال السياسات الثقافية، والبرامج المجتمعية، والمبادرات التوعوية، تستطيع هذه المؤسسات أن ترسّخ صورة الأسرة كفضاء للحوار، والانتماء، ونقل القيم بين الأجيال، بما يوازن بين متطلبات العصر والتمسك بالجذور. وتشير إلى أن جميع العاملين في هذه المؤسسات هم في الأساس جزء من أسر يؤمنون بأهميتها ودورها في الاستقرار والنمو، وينعكس هذا الإيمان في ما يطورونه من تشريعات ومبادرات ومشاريع ثقافية واجتماعية، فهم لا يعملون من منطلق وظيفي فحسب، بل من وعي شخصي وتجربة إنسانية تدرك قيمة الأسرة وأثرها في بناء الإنسان والمجتمع. 
وتوضح المعمري: من هنا، يصبح العمل المؤسسي امتداداً للقيَم الأسرية، وتسهم الجهود المشتركة بين الجهات الثقافية والتعليمية والتشريعية في بناء منظومة داعمة للأسرة، قادرة على حماية تماسكها وتعزيز حضورها في ظل التحولات المتسارعة.

حاضنة قيَم

يقول فهد علي المعمري، الباحث في التراث الشعبي، إن الأسرة ليست إطاراً اجتماعياً فحسب، بل حاضنة قيَم، ومصنع هوية، وأول وسيط ثقافي يسبق المدرسة والمؤسسة والإعلام؛ ومن هنا فإن دور المؤسسات الثقافية والجهات المعنية في تعزيز مفهومية الأسرة لم يعد دوراً تكميلياً، بل دوراً تأسيسياً، لعدة أسباب مجملها أن الأسرة، بوصفها مفهوماً ثقافياً لا وحدة بيولوجية، فأهم ما ينبغي أن تشتغل عليه المؤسسات الثقافية هو نقل الأسرة من تعريفها الضيق من أب وأم وأبناء إلى كونها منظومة قيَم متكاملة الأدوار، وتكون فضاء للتنشئة الثقافية. ويوضح المعمري أن الأسرة تشكل حلقة وصل بين الفرد والهوية الوطنية، فحين تُقدَّم الأسرة بهذه الصيغة تصبح الثقافة شريكاً في بنائها لا مراقباً لها.
وتابع: لابد من العمل على الانتقال من الرعاية إلى التمكين الثقافي، لأن الجهات المعنية كثيراً ما تتعامل مع الأسرة من زاوية الرعاية الاجتماعية، بينما المطلوب اليوم هو التمكين الثقافي، وذلك عبر برامج ترفع الوعي بدور الأسرة في نقل اللغة والذاكرة والعادات، وعمل مبادرات تعيد الاعتبار للمجالس الأسرية بوصفها فضاءً ثقافياً، إضافة إلى تحويل القيَم الأسرية إلى محتوى ثقافي معاصر، مثل المسرح، السينما، البودكاست، والأدب. وتحدث المعمري عن المؤسسات الثقافية ودورها كجسر بين الأجيال، لأن أخطر ما تواجهه الأسرة اليوم هو القطيعة بين الأجيال بفعل التسارع الرقمي، ويمكن للمؤسسات أن تقوم بدور الوسيط عبر مشاريع توثيق الذاكرة الأسرية مثل السيرة العائلية، الروايات الشفهية، وفعاليات تجمع الأجداد بالأحفاد حول الحكاية، والصورة، والمكان، وأيضاً منصات رقمية تُشرك الأسرة كلها في الفعل الثقافي، وبهذا يتحوّل الاختلاف العمري من فجوة إلى ثراء. ويشير إلى أهمية إعادة الاعتبار للغة بوصفها رابطاً أسرياً، ولاسيما «العربية»، فهي أحد أعمدة مفهومية الأسرة. وهنا يظهر دور المؤسسات في دعم المبادرات التي تشجع الحديث بـ «العربية» في الفضاء الأسري، وكذلك ربط اللغة بالمتعة لا بالواجب من خلال القصص، الألعاب، والمحتوى مرئي الهدف، إلى جانب تعزيز حضور اللهجات المحلية بوصفها مكوّناً للهوية لا نقيضاً للفصحى، والأسرة التي تفقد لغتها تفقد سرديتها. ويذكر المعمري أن نجاح أي مشروع لتعزيز مفهومية الأسرة مرهون باعتماد منطق الشراكة، لأن الأسرة فاعلاً وشريكاً في التصميم والتنفيذ، وصاحبة تجربة يجب الإصغاء إليها. ومن المهم مواجهة التحديات المعاصرة بوعي ثقافي، مثل منصات التواصل، أنماط الحياة السريعة، وتغير القيَم، وكلها تحديات لا تُواجه بالمنع، بل بالوعي، والحوار داخل الأسرة، وبمحتوى ثقافي بديل يحترم العقل والوجدان، وهنا يكون دور المؤسسات في توفير البديل لا الاكتفاء بالتشخيص.
وأضاف: نصل إلى خلاصة الرؤية في دور المؤسسات الثقافية في تعزيز مفهومية الأسرة، حيث تتمثل في إعادة تعريفها ثقافياً، وتمكينها معرفياً، ووصلها بالهوية واللغة والذاكرة، وجعلها شريكاً في الفعل الثقافي لا موضوعاً له، فالأسرة التي تُدعَم ثقافياً لا تخشى التحولات، بل تتحول هي نفسها إلى درع هوية ومختبر قيَم.