الشارقة (الاتحاد)
انطلقت فعاليات الدورة الثانية من مهرجان الشارقة للأدب الأفريقي لتؤكد تميّزه بوصفه حدثاً فريداً من نوعه في الخليج والوطن العربي، مكرساً حصرياً للأدب الأفريقي، وتنظّمه هيئة الشارقة للكتاب، ويستمر حتى 18 يناير 2026. ويستضيف المهرجان نخبة من الأدباء الأفارقة إلى جانب أدباء إماراتيين، بهدف تعزيز الحوار الثقافي بين أفريقيا والعالم العربي، والاحتفاء بثراء التجربة الإبداعية الأفريقية.وكانت الدورة الأولى، التي أُقيمت في يناير 2025، حققت حضوراً لافتاً باستقطابها أكثر من 10 آلاف زائر، ومشاركة 29 كاتباً من الإمارات وأفريقيا، بينهم الحائزان جائزة نوبل وولي سوينكا وعبد الرزاق قرنح. ونال المهرجان إشادة واسعة بوصفه منصة غير مسبوقة تربط بين القارتين.
ومن اللافت أن المهرجان يكاد يكون الوحيد في المنطقة العربية المخصص بالكامل للأدب الأفريقي، فخلافاً للملتقيات الأدبية العامة ومعارض الكتب الكبرى في العالم العربي، لم يظهر أي مهرجان آخر يستهدف الأدب الأفريقي حصرياً في دول الخليج أو المشرق العربي قبل مبادرة الشارقة. وفي الوقت الذي تستضيف فيه مهرجانات أدبية عربية أخرى بعض الكتاب الأفارقة ضمن برامجها، تبقى الشارقة السباقة في تخصيص حدث سنوي للاحتفاء بالسرد الأفريقي وتراثه العريق.
ويكتسب المهرجان أهميته في طرح رؤية مستدامة ومتكاملة لتعميق حضور الأدب الأفريقي في الفضاء الثقافي العربي، ودعم التبادل المعرفي العربي - الأفريقي.
يأتي اهتمام الشارقة بالأدب الأفريقي ضمن سياق أوسع من الانفتاح على الثقافة الأفريقية في المنطقة، فقد شهدت السنوات الأخيرة تنظيم فعاليات تحتفي بالفنون والتراث الأفريقي في العالم العربي، وإن كانت في معظمها موجهة للجوانب الثقافية عامةً أكثر من تركيزها على الأدب.
ويتميز المهرجان بتركيزه النوعي على الأدب كجسر للتواصل الثقافي، فهو لا يكتفي بعرض الفنون أو الفلكلور، بل يغوص في عمق الحكاية الأفريقية المكتوبة والمروية، ويجمع الأدباء والمفكرين لمناقشة قضايا الهوية والذاكرة والتاريخ من منظور أفريقي.
ومن خلال جلسات الحوار والقراءات الشعرية والقصصية المباشرة، يتيح المهرجان للجمهور فرصة غير مسبوقة لاكتشاف الكنوز الأدبية الأفريقية والتفاعل معها نقدياً وجمالياً.
كما يشجع المهرجان حركة الترجمة إلى العربية، حيث يُلهم الناشرين والمترجمين لإيصال صوت الأدب الأفريقي للقارئ العربي، ويولّد حواراً متواصلاً يُثري المشهد الثقافي المحلي برؤى وتجارب من القارة الأفريقية، وهو ما ينسجم مع رؤية الشارقة في ترسيخ التنوع الثقافي، وتوسيع آفاق المعرفة عبر التواصل الإنساني مع مختلف الحضارات.
البعد العربي
وتتكامل مبادرة الشارقة مع اتجاه عالمي متصاعد للاحتفاء بالأدب الأفريقي وإبراز منجزاته على الساحة الدولية، ففي أوروبا، برزت خلال العقد الأخير مهرجانات مخصصة لهذا الغرض، تأكيداً على الاهتمام المتزايد بأصوات أفريقيا السردية. من أبرزها مهرجان الكتاب الأفريقي في برلين بألمانيا، الذي يُنظّم سنوياً منذ عام 2018 وأصبح في غضون سنوات قليلة واحداً من أهم المهرجانات الأدبية في أوروبا، يجذب كبار الكُتّاب الأفارقة والجمهور المهتم بأدب أفريقيا.
وفي المملكة المتحدة، أطلق مهرجان أفريكا رايتس Africa Writes عام 2012 ليكون أكبر منصة للاحتفاء بالأدب الأفريقي المعاصر في بريطانيا، ويُقام سنوياً في المكتبة البريطانية بلندن بمشاركة كتاب من القارة الأفريقية والمهجر. أما في فرنسا، فيحتضن صالون الكتاب الأفريقي في باريس فعاليات تجمع الناشرين والكتاب المهتمين بالأدب الأفريقي. كذلك تستضيف مدينة نانت الفرنسية مهرجان الأدبيات الأفريقية الذي احتفل في أكتوبر 2025 بعقده الأول. هذه المهرجانات الأوروبية وغيرها تؤكد عالمية الحضور الأدبي الأفريقي، ورغبة القراء عبر العالم في استكشاف حكايات أفريقيا بلغاتها وأصواتها الأصيلة.
ومن خلال مهرجان الشارقة للأدب الأفريقي، تنضم إمارة الشارقة إلى هذه الحركة الثقافية الدولية، بل وتمنحها بُعداً عربياً جديداً، فالمهرجان يوسع نطاق حضور الأدب الأفريقي في المنطقة العربية، ويبعث برسالة مفادها أن الأدب بأشكاله المتنوعة، جسر عالمي للتفاهم الإنساني.