محمد عبد السميع
المسرح الشعري النبطي والشعبي موضوع مهم، ذلك لأنه يتم فيه تجسيد الحوارات على شكل قصائد وأبيات يستمتع بها الجمهور حينما تُلقى على خشبة المسرح. ونعتقد أنّ هذا لونٌ شائق، ولكنه صعبٌ ويحتاج إلى أن يكون كاتب السيناريو الشعري عارفاً بأهداف المسرحية، ويذهب نحو أكثر من قضية تُعالَج على المسرح.
ويتحدث عدد من الشعراء والشاعرات من الإمارات والخليج والوطن العربي، عن المسرح الشعري النبطي والشعبي، ولماذا هو قليل الحضور، ولماذا لم يتم تمثيله على المسرح كما كان سابقاً؟ ونحن أمام حالتين، أن نكون مدركين للقوافي والأوزان، وأن نكون مدركين بمجريات العمل المسرحي بشكل عام. فما هي الأسباب التي تجعل المسرح الشعري يتواضع تقريباً؛ هل لأن اهتمامات الناس تغيرت، أم لماذا؟
المنصات الرقمية
الشاعر العُماني عبد الحميد الدوحاني يقول، إن الشعر هو ترجمة للمشاعر، ويحمل موسيقى وأوزاناً وقافية في قالب فني جميل يستمتع به الجمهور.
وبالنسبة للشعر الشعبي المسرحي، يقول، إنه اختفى أو تراجع بسبب تراجع المسرح وانقطاع العالم عن المسرح منذ فترة، وربما يكون العالم الافتراضي سبباً في ذلك، من حيث اهتمام الناس بالمنصات الرقمية، حتى أن الذين أبدعوا في تقديم هذا اللون، اكتفوا بما قدموه، وأصبح المسرح متخصصاً في أغراض معينة وبرامج توعوية أو تدريبية.
البناء الدرامي
يقول الشاعر السعودي خالد الطويل، إن غياب المسرحية الشعرية النبطية له ارتباط بالذوق العام؛ لأن الجمهور بات يفضل الأعمال السريعة المعتمدة على الصورة والمؤثرات البصرية أكثر من النصوص المطولة ذات البناء اللغوي التقليدي؛ باعتبار أن المسارح العربية التي امتد تأثيرها إلى بعض دول الخليج لم تعد كما في السابق. ويتحدث عن الشاعر أحمد شوقي، مؤسس المسرح الشعري في الأدب العربي الحديث، وبيرم التونسي والرحابنة، الذين كتبوا أعمالهم باللهجة العامية إلى جانب الفصحى.
ويتناول الطويل مسارح دول الخليج التي لا تخلو من بعض الأعمال، كما في الإمارات والكويت ومهرجان الجنادرية، حيث تم تقديم نصوص ذات طابع شعري درامي. ويذكر أن المتلقي اعتاد أن يُلقى النص الشعري أو يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو يقدَّم على شكل شيلة بألحان قريبة إلى الذائقة، وليس من اهتمامه أن تقدَّم القصيدة عبر مسرحية درامية، باستثناء مهرجانات ومناسبات معينة.
ويرى أن من أسباب غياب المسرح الشعري النبطي قلة المتخصصين في كتابة هذا النوع من الشعر؛ لأنه يتطلب إجادة النظم وفهم أساسيات البناء الدرامي المسرحي. كما تحتاج العملية إلى ثقافة أدبية ومسرحية متكاملة، فالمسرح يشهد تراجعاً ملحوظاً مقابل صعود الفنون الحديثة، كالسينما والكوميديا التي باتت وسائل التواصل الاجتماعي من أبرز منصاتها.
ويأمل الشاعر الطويل في أن يعود هذا النمط من الكتابة؛ لما له من تأثير، ولأننا نمتلك طاقات مسرحية وتراثاً أدبياً وشعرياً ثرياً يستحق أن يقدَّم على خشبة المسرح.
الثقافة والمعرفة
يؤكد الشاعر والناقد السوري الدكتور أكرم قُنبس أن الشعر هو رئة يتنفس بها الإنسان، وهو صوته ورسالته عبر العصور، وبالتالي فإن المسرح الشعري رافق الإنسان فيما سبق، والمسرح الإماراتي احتفى بالشعر الشعبي من خلال نصوص سالم الجمري وفتاة الخليج وعبدلله صالح الرميثي، لكن غياب هذا المسرح هو بسبب ندرة الأقلام المبدعة في هذا الجانب، لأن عملية مسرحة الشعر الشعبي ليست أمراً سهلاً، باعتبارها تحتاج إلى مبدعين ومثقفين، ليكون النص مناسباً فنياً واجتماعياً وإنسانياً ووطنياً وشعبياً. وعلى المسرحية الشعرية أن توائم بين المسرح والشعر والفئة المستهدفة، وأن تكون الرسالة واضحة وتخدم المجتمع، وتعيد عادات البحر والتجارة والحياة البسيطة، وقصص الحياة والتراث، لتأكيد الانتماء والمستقبل المشرق.
الأنماط السريعة
الشاعرة الإماراتية نايلة الأحبابي، ترى أنه في ظل تسارع العولمة وتحول التكنولوجيا كمحرك أبرز لوسائل التعبير الفني، تغيرت طبيعة التفاعل مع الأشكال الأدبية، فأصبحت الأنماط الفنية السريعة والتفاعلية الأكثر جذباً وانتشاراً، متحدثة عن المحتوى المرئي القصير والمقاطع الفورية التي تُستهلك في دقائق، وتواكب إيقاع الحياة الحديثة. والمسرحية الشعرية بطابعها البطيء نسبياً، باتت تفقد بريقها لدى جمهور اعتاد السرعة والمباشرة. والقصيدة برأيها، لا تقتصر على بعدها الغنائي والعاطفي، بل تقدم نصاً شعرياً ذا حبكة وشخصيات ناطقة بالشعر، وفيها صراع درامي يلامس النفس والواقع. وحين تُكتب ببراعة، تكون من أرقى أشكال الفنون التي يشترك فيها الشعر والمسرح.
أسلوب ومحتوى
الشاعرة الإماراتية شيخة المقبالي، تتحدث عن طابع المسرحية الشعرية الشعبية النبطية المشغولة بشكل فني، والتي تجمع بين الشعر النبطي والدراما، حيث يتم تقديم القصص والحكايات من خلال الحوار الشعري والأداء التمثيلي.
وتتناول الشاعرة المقبالي خصائص المسرحية الشعرية الشعبية النبطية، بحيث يعتمد الشعر النبطي على اللغة العامية واللهجة المحلية، كما يحضر التراث الشعبي، مؤكدةً أن العناصر الدرامية، كالحوار والتشخيص والصراع، تجذب الجمهور، إضافة إلى تنوع المسرحيات النبطية في المواضيع.
وتتحدث عن أهمية القصيدة الشعرية النبطية الممسرحة بالتلقائية والعفوية، وأن تتخللها فقرات غنائية وموسيقية.
وترصد المقبالي أكثر من فائدة للمسرح الشعري النبطي في أنه يحافظ على التراث وينقله للأجيال، ويعبر عن الهوية والقيم والعادات، ويكون فيه توعية بقضايا المجتمع.
الهوية التراثية
تتحدث الناقدة البحرينية الدكتورة رفيقة بن رجب عن التراث في ثباته وتغيره، وحضور القارئ، مؤكدة أهمية المسرح الشعري الشعبي، ودور المتلقي للشعر المسرحي، مناقشة مسألة التداول والانتشار ومدى قبول الساحة الجماهيرية في المسرح الشعري. وترى أن المسرح بوصفه فناً، هو سيد الفنون، ومن المهم تأكيد الثقافة البدوية في جانب المسرح الشعري الشعبي. أما المسرح، فيحتاج إلى بيئة جديدة؛ كالخشبة والديكور والممثلين، وهذه الأدوات ربما لم تكن متوفرة في السابق.
وتشير إلى ذاكرة الشعوب والمساجلات والمناظرات وملامح البنية الخطابية للشعر، وسهولة التلقي وسرعة الحفظ، وقيم الجمهور، لافتةً إلى أن المسرح النبطي لم يحظَ بالدعم نفسه، كما أن الشعر النبطي جزء من الهوية القبلية والتراثية، والمسرح لم يعبر عن الهوية البدوية الأصيلة بالشكل المطلوب.
شعر بسيط
ينتقد الشاعر العُماني حمد النعماني الكثير من القصائد النبطية العادية السريعة والمرتجلة، ذاهباً إلى أن المسرح الشعري حين يغيب تضيع بغيابه فرص علينا أن نستعيدها. ويرى النعماني أنه وفي ظل تحيزات الناس إلى أساليب شعر بسيط ورقيق ومستهلك وغير متجدد، ستعاني الساحة من غياب الصورة أو الشكل الجميل للشعر.
تغير الذائقة
يرى الناقد السوري الدكتور أحمد العقيلي أن المسرح الشعري الشعبي هو أحد أشكال التعبير الفني الذي يجمع بين إيقاع الشعر ونبض الشارع، ويتناول قضايا الناس وآمالهم وآلامهم بأسلوب درامي مؤثر، لذلك فإن هذا النوع من الشعر يعتمد على بساطة اللغة وعمق القضايا الاجتماعية. ويؤكد العقيلي أهمية اقتراب المسرح الشعري من الناس، ليكون أكثر تأثيراً، لأنه يضفي على المسرح جمالاً موسيقياً يأسر العاطفة ويشد الانتباه، كما يعبر عن هموم المجتمع بلغة سهلة. ويرى العقيلي أن تراجع هذا اللون من الشعر المسرحي هو بسبب هيمنة التلفزيون والدراما البصرية، وتراجع ثقافة الشعر الشعبي بين الأجيال، وضعف العلاقة بين الجيل الجديد والشعر الشعبي، وتغير الذائقة الفنية.