محمد عبدالسميع

فتحت التكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، للتراث غير المادي نوافذ غير مسبوقة للتوثيق والانتشار، لكنها تطرح أسئلة نقدية حول الأصالة، والملكية الفكرية، وسياق الهوية. فكيف يمكن صون الوجدان الحيّ للشعوب من التزييف أو الاستهلاك السطحي؟ وأين تقف الحدود الفاصلة بين إحياء التراث وتشويهه أو وقوعه في قبضة القرصنة الرقمية؟ يؤكد باحثون أننا لا يمكننا رفض التكنولوجيا، بل علينا في توظيفها بوعي يحفظ الذاكرة الجمعية ويصونها للأجيال القادمة.

فرصة للتوثيق
يرى الباحث والكاتب فهد المعمري أنّ وجود علاقة بين التراث غير المادي والتكنولوجيا لم تعد خياراً، بل ضرورة حتمية لضمان استمرارية التراث، موضحاً أنّ المأثورات الشفوية، والفنون الشعبية كانت مهددة بالاندثار، لكن التكنولوجيا منحتها فرصة جديدة للحياة عبر التوثيق الرقمي والمنصات التفاعلية. ويكمن التحدي الحقيقي في توظيف التكنولوجيا دون تشويه روح التراث أو فصله عن سياقه الإنساني والاجتماعي، مشدداً على أهمية اشتراك حَمَلة التراث أنفسهم في عملية التوثيق الرقمي لضمان نقل الموروث بصدق وأمانة للأجيال القادمة.

دور المؤسسات 
يوضح د. محمد شبانة، أستاذ الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون، أن للعولمة تحمل أبعاداً متعددة، أخطرها هيمنة نمط ثقافي وحيد على الخصوصيات الثقافية الأخرى، فبينما تمتلك الثقافات القوية قدرة على «المثاقفة» والتأثير، تواجه الثقافات الأقل صموداً خطر الذوبان أمام أنماط دخيلة.
ويرى أن بعض أدوات العصر وآليات الحياة الحديثة قد تسيء إلى التراث أو تسهم في تزييفه، مما ينقل صورة مغلوطة للأجيال الناشئة. ومن هنا يتعين على الإعلام والتعليم والأسرة وضع صياغة معرفية متكاملة تضمن غرس المفاهيم الأصيلة والمنضبطة حول هويتنا، مؤكداً في الوقت ذاته على حيوية الثقافة العربية وقدرة الشعوب على التمسك بالتراث الحي في ممارساتهم اليومية. 

أساليب وبرامج عصرية
ويرى الباحث سلطان المزروعي أنّ التكنولوجيا أصبحت جسراً يربط الأجيال الجديدة بتراثها غير المادي، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة في أنماط الحياة، مشيراً إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، ووسائل التواصل الاجتماعي أسهم في إعادة تقديم التراث بأساليب عصرية وجاذبة، ونجاح هذه العلاقة مرهون بوجود محتوى أصيل يُدار بعقلية واعية تحترم التاريخ وتخاطب المستقبل في آنٍ واحد، مع ضرورة دمج التراث في المناهج الرقمية والبرامج التعليمية التفاعلية.

تسجيل الملكية الفكرية
وحول حقوق الملكية الفكرية في ظل انتشار المحتوى على منصات رقمية، يقول أ.د. طارق صالح عميد كلية الفنون والتصميم بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، إنّ من الضروري أن نعي كيف نحافظ على معلوماتنا التراثية بما يتوافق مع حقوق الملكية الفكرية، فبمجرد أن يتعلم الذكاء الاصطناعي من هذه البيانات أو يعلم بها سيصبح من الصعب جداً إثبات ملكيتنا الفكرية لها.. لذا فإنّ أيّ مادة تراثية لم نقم بتسجيلها وحفظ حقوقها رسميّاً يجب ألا نضعها في متناول هذه التقنيات.

تعزيز حضور التراث
ويرى الباحث سالم الطنيجي، إنّ التكنولوجيا لا تُهدد التراث غير المادي، كما يعتقد البعض، بل تسهم في حمايته وتعزيز حضوره عالمياً، لافتاً إلى أن المنصات الرقمية ساعدت في توثيق الممارسات التراثية ونقلها خارج حدود المكان والزمان. مشيراً إلى أن التكامل بين الخبراء التراثيين والمتخصصين في التكنولوجيا هو السبيل الأمثل لإنتاج مشاريع تحفظ الهوية وتواكب التطور دون أن تفقد أصالتها، مع التأكيد على ضرورة وجود أطر قانونية تحمي الملكية الثقافية.

تطوير الحماية
يرى د. حسن فيداوي، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، أن التكنولوجيا المعاصرة تجاوزت حدود الترميم التقليدي، حيث استُخدمت في تجارب حديثة على المخطوطات الورقية تقنيات متطورة كالرنين المغناطيسي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، لإجراء مسح دقيق ينفذ إلى أعماق نصوص تعود لآلاف السنين. ويؤكد د. فيداوي أننا نقف اليوم على أعتاب عصر «الحوسبة الكمومية» التي ستجعل المستحيل متاحاً، إلا أن هذا التقدم التقني يفرض في نفس الوقت تحديات أمينية قد تهدد الأرشيف التراثي، إذ تمتلك هذه الحواسب سرعات فائقة تمكنها من فك أعقد التشفيرات في زمن قياسي. وهذا بدوره يمنح القراصنة أدوات اختراق قوية، مما يفرض علينا ضرورة تطوير أنظمة تأمين استباقية تتفوق على القدرات الهائلة لهذه التقنيات الجديدة.