هزاع أبوالريش (أبوظبي)

يُمثّل «بيت الحكمة» في الشارقة نموذجاً استثنائياً يتجاوز المفهوم التقليدي للمكتبات، إذ جاء تجسيداً حياً للاحتفاء بالشارقة عاصمةً عالميةً للكتاب لعام 2019 من قِبل منظمة «اليونسكو»، مُقدّماً تجربة ثقافية رائدة تدمج بين القراءة والبرامج المعرفية الشاملة، محققاً بذلك رؤية ثقافية تتخطى حدود الكتاب لتشمل آفاقاً معرفية أوسع. 
أكدت مروة العقروبي، المدير التنفيذي لبيت الحكمة، أن تنوع الفعاليات يُعد أداةً معرفية لإعادة صياغة العلاقة بين الثقافة والمجتمع، موضحةً أن «بيت الحكمة» يعمل كمنصة تلاقٍ بين أنماط معرفية متباينة، مما يسهم في نقل المعرفة من الأوساط النخبوية إلى الفضاء العام. وبهذا المنظور، يضطلع المركز بدور «البنية الوسيطة» - وفق أدبيات دراسات المعرفة - التي تربط بين الإنتاج الإبداعي، المؤسسات التعليمية، والمجتمع، مع إعادة توزيع المعرفة عبر قنوات تفاعلية تخدم مختلف الفئات العمرية والمهنية. وأشارت العقروبي إلى أن هذا الدور ينعكس بصورة مباشرة على المجتمع من خلال بناء «رأسمال معرفي مشترك»، حيث تسهم المعارض والأنشطة في صقل مهارات التفكير النقدي.

وتابعت العقروبي: إن رؤية «بيت الحكمة» في تنظيم معارض للشخصيات الفكرية والأدبية تنطلق من الإيمان بالتراث الثقافي بوصفه معرفة حيّة قابلة للاستيعاب والتجدد، وليس مادة أرشيفية ساكنة، تعمل هذه المعارض على نقل الإرث الفكري من حيّز الذاكرة إلى المجال العام، وذلك عبر توظيف أدوات بصرية ومعرفية حديثة تخاطب مختلف الفئات، وتبرز الجماليات الفنية والأدبية في هذا الإنتاج.
وأكدت أهمية ربط الثقافة المعاصرة بجذورها الفكرية، وتحويل الإرث الأدبي والفلسفي إلى مادة للحوار والتعلّم المستمر، لافتةً إلى أن هذا النهج يعزّز الوعي بالهوية الثقافية المشتركة على المستوى المجتمعي، بما يضمن انتقال هذا الإرث بين الأجيال، بوصفه جزءاً حيوياً من الحاضر والمستقبل.
وبيّنت العقروبي، أن معرض «لاعب النرد: محمود درويش» (نموذجاً)، الذي يستضيفه «بيت الحكمة» حتى 13 مارس 2026، يُشكّل قراءة ثقافية متأنية لتجربة شاعر ارتبط اسمه بالتحولات الكبرى في الوعي العربي المعاصر، وجاء اختيار قصيدة «لاعب النرد» كنقطة انطلاق تمنح المعرض بُعده الفلسفي منذ اللحظة الأولى، إذ تفتح هذه القصيدة باب التأمل في علاقة الإنسان بالمصير، وبالصدفة، وبالاختيارات التي تصوغ حياته الفردية والجماعية، مشيرة إلى أن القيمة المعرفية للمعرض تتجلّى في الطريقة التي أعاد بها وصل النص الشعري بسياقه الإنساني. فطفولة محمود درويش في قرية «البِرْوة» تظهر باعتبارها لحظة تأسيس للذاكرة، والمنفى يُقدَّم كحالة وجودية رافقت الشاعر في مدنه المتعددة، والعشق يحضر كمساحة إنسانية شكّلت لغة درويش وحساسيته، فيما تبرز المقاومة كاختيار ثقافي وأخلاقي صاغ به الشاعر علاقته بالوطن وباللغة.

تجربة تفاعلية

أوضحت العقروبي أن المعرض استمد عُمقه من تحويل عملية التلقي إلى تجربة تفاعلية ترتكز على الاستماع والمشاهدة والتأمل، إذ وظّف التقنيات السمعية والبصرية والمخطوطات والمواد الأرشيفية والعروض المصاحبة لتقديم تجربة «درويش» بأسلوب متعدد الأبعاد، وهو ما أتاح للأجيال الجديدة فرصة التفاعل مع الشعر بعيداً عن القوالب المدرسية الجامدة. وأكدت أن هذا الأسلوب المبتكر يسهم في ترسيخ الإرث الثقافي في الوعي العام، ويمنحه قدرة متجددة على التأثير في الثقافة المعاصرة. واختتمت مروة العقروبي حديثها بالإشارة إلى أن «بيت الحكمة» يواصل مساره اليوم، عبر تنظيم معارض تحتفي برموز فكرية وثقافية شكّلت محطات فارقة في التاريخ الإنساني، حيث يرتكز هذا التوجه على اختيار شخصيات تركت بصمة عميقة في الوعي الثقافي، مع الحرص على تقديم تجاربها في أُطر معرفية تتيح للجمهور فهم سياقاتها الفكرية والاجتماعية والتفاعل معها بعمق.