فاطمة عطفة (أبوظبي)

يأخذنا الباحث والأديب الإماراتي علي أبوالريش في كتابه «الإنسان ذلك الكائن الخيالي: الألعاب الشعبية نموذجاً» نحو أعماق الوجدان الإنساني، مستحضراً إرثاً يسكننا وبصمةً لا تُمحى من ذاكرتنا المشتركة، ويُعد العمل من أبرز الإصدارات الحديثة، التي تتقصى تساؤل الإنسان الأزلي: «من أنا؟»، وهو السؤال الذي يرى الكاتب أن لا إجابة واقعية له؛ لذا استعاض الإنسان عن عجزه باختراع «اللعبة» كمعادل موضوعي يتجاوز حدود العقل المادي ويلبي طموحه في الارتقاء. 
الكتاب رحلة استكشافية تسبر مكامن المسيرة البشرية، وتغوص في تناقضات المشاعر بين الظاهر واللاشعور. وعبر قرابة 30 بحثاً تستلهم الفلسفة والتصوف من الشرق والغرب، يجد القارئ نفسه وسط غابة من الأفكار الكثيفة، التي يفك الكاتب رموزها بإدراك وتمعُن للتجربة الإنسانية. 
يستعرض الباحث والأديب علي أبوالريش تلك المراحل التاريخية الشاقة التي عبرها الإنسان، متسلحاً بالخيال وتراكم الخبرة، منذ هبط عن شجرته الأولى ممسكاً بطرف خيط التطور، وصولاً إلى الثورة الزراعية وابتكار أدواتها لفهم الحياة وتحدياتها. 
يستمر الكاتب علي أبو الريش في تحليل تلك الأسئلة الوجودية التي حاصرت الإنسان، وهي ذاتها التي دفعت الفيلسوف «كيركغارد» لوصف الحياة بـ«الحفلة التنكرية»، إذ يظل سؤال «من أنا؟» هو مصدر القلق الأزلي، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، وفي خضم هذا التيه، يتجلى الصراع المحتدم بين دعاة التطور ومن يختلف معهم، لينعكس على نظرة الإنسان لذاته وللكون من حوله.
يتصاعد إيقاع التأمل في الكتاب وصولاً إلى طموح ارتياد الفضاء، حيث يحشد الكاتب رؤى عشرات الفلاسفة الغربيين وما يقابلهم من أقطاب الصوفية في الشرق. ورغم ثراء هذه الإضاءات، فإنها لا تقدم أجوبةً حاسمة، بل تفتح آفاقاً من الحوار والاختلاف الذي يعكس تعقيد التجربة الإنسانية.
ويقدم الكتاب أبعاد لجوء الإنسان إلى مفهوم «اللعب»، كون الأخير لم يكن مجرد وسيلة للتسلية والترويح، بل مثل آليةً دفاعية لمواجهة الواقع وبناء «أمان نسبي» يتشبث عبره بالحلم. بالمقابل تظل «الأنا» هنا منقسمة بين عالم الظواهر المحيطة وبين أغوار الباطن المثقلة بالرغبات المكبوتة، التي شكّلتها محددات المجتمع. 
ويخصّص الأديب علي أبوالريش فصلاً للألعاب الشعبية المحلية، مستعرضاً نماذجها بوصفها «لغة القلب» لا العقل، فهي في جوهرها تجليات للحب ووسائل لتهدئة القلق الداخلي، مما يجعل من كتاب «الإنسان ذلك الكائن الخيالي» دعوة مفتوحة للاستكشاف، لا تغني عنها أي قراءة عابرة.