فاطمة عطفة (أبوظبي)

في إطار برامجه الثقافية خلال شهر رمضان، نظم متحف جوجنهايم أبوظبي جلسة حوارية بعنوان «الفن والروحانية» ضمن برنامج «البصر والبصيرة»، استكشف خلالها العلاقة بين الفن والقيم الإنسانية، وكيف يمكن للجمال أن يكون مدخلاً لتزكية النفس والارتقاء بالوعي، من خلال حوار شارك فيه الدكتور محمود نجاح، إمام مسجد الإمام أحمد الطيب في بيت العائلة الإبراهيمية، والباحثة دينا تركية، باحثة في الفنون الإسلامية والممارسات المتحفية، وأدار الحوار أحمد عماد.
وفي رده على تساؤل حول مفهوم الفن في المنظور الإسلامي، أكد الدكتور محمود نجاح أن «الإسلام هو دين الجمال في أسمى تجلياته»، مستشهداً بالحديث النبوي الشريف: «إن الله جميل يحب الجمال»، موضحاً أن الفن، بمعناه الشمولي، هو الإبداع الذي يستلهمه الإنسان من ملكوت الكون عبر بوابة «العقل»؛ تلك المزية التي كرم الله بها بني آدم وجعلها مناط التكليف. فالفن في الإسلام ليس مجرد لوحة تُعلق أو مشهداً يُصور، بل هو «إعمار للأرض» بالجمال، وإتقانٌ لكل فعل بشري يخرج بصورة إبداعية. فكل عمل يُنجز بإحسان هو فن قائم بذاته، ما يجعل الفن في جوهره تعبيراً عن عظمة الخالق من خلال إبداع المخلوق.
واستطرد موضحاً أن الفن الحقيقي هو الذي يغدو وسيلةً لـ «تزكية النفس» وأداةً لإرساء قيم الفضيلة والمثل الأخلاقية في وجدان المجتمع. فمتى ما سمت الرسالة الفنية بالإنسان وترفعت عن الابتذال، أصبحت استجابةً فطريةً لروح الشريعة ومقاصدها النبيلة.
وتوجه أحمد عماد بتساؤل للباحثة دينا تركية حول المداخل المبسطة لفهم «الفن الإسلامي» وكيفية فك الارتباط بينه وبين الصور النمطية لدى الجمهور المعاصر. وأوضحت تركية أن الفن الإسلامي كمصطلح أكاديمي تبلور تاريخياً بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، ليشمل المنجز الحضاري لكافة الشعوب المنضوية تحت لواء الحكم الإسلامي، في رقعة جغرافية ممتدة من الأندلس إلى جنوب شرق آسيا، مؤكدة أن هذا الفن يمثل «الناتج البصري» التراكمي لتلك الشعوب عبر أكثر من 1400 عام حتى يومنا هذا. وأوضحت دينا تركية تميز الفن الإسلامي عن نظيره الأوروبي؛ فهو لا يقتصر على العمارة الشاهقة أو اللوحات المنفصلة، بل يتجذر في تفاصيل الحياة اليومية بأبعاد وظيفية وجمالية، تبدأ من آنية شرب بسيطة وصولاً إلى فخامة القصور الأموية. وصححت مفهوماً شائعاً يحصر هذا الفن في الشعائر الدينية كالمساجد وسجاد الصلاة فقط، مؤكدة أنه يتجاوز حدود المعتقد ليمتزج بمعاش الناس اليومي.