أبوظبي (الاتحاد)
في ظلّ التحولات العالمية المتسارعة، تجاوز صوت المرأة في الأدب العربي حدود البوح الذاتي، ليصبح حضوراً إبداعياً يقرأ الواقع ويطرح أسئلته الكبرى. ومع اتساع تأثير الكاتبات العربيات، تخطّت كتاباتهن الأطر التقليدية لتلامس قضايا الهوية والمجتمع، مقدمةً رؤى سردية تعكس تعقيد اللحظة الراهنة. ويأتي بروز الكاتبات في القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها العشرين دليلاً على تصاعد دورهن في المشهد الأدبي عالمياً، وتحوّل تجربتهن نحو فضاء إنساني أرحب يشارك في صياغة الوعي المعاصر.
أكدت المرشحات في القائمة القصيرة أهمية التعريف بإنجازات الكاتبات ودعمهن، وتوجيه جانب كبير من إنتاجهن الإبداعي لخدمة المجتمعات وعمليات التنمية. كما أشرن إلى أن حركة الإبداع الكتابي يسبقها الاهتمام بالقراءة، فالأدب سلسلة متّصلة من المشاعر والأفكار والإبداع، لا يمكن بلوغ مصافه دون قراءات تراكمية وتثقيف مستمر في المعارف الإنسانية.
وحول قدرة الكاتبات العربيات على تجاوز أُطرهن التقليدية ليصبحن مؤثرات في العملية الإبداعية، تقول الدكتورة بدرية البشر، من المملكة العربية السعودية، المرشحة للجائزة عن فئة الآداب: «تجاوزت الكتابة النسائية حدودها الأولى، لأنها لم تعُد مجرد دفاع عن حضور المرأة، بل أصبحت مشاركة في صياغة الأسئلة الكبرى للحياة والمجتمع. ولم تعُد تطلب مكاناً في الأدب، لأنها أصبحت جزءاً من صناعته، وضمن نسيجه الداخلي».
وعن تحوّل صوت المرأة في الأدب من التعبير الرمزي والهادئ إلى صوت جريء، وما يعكسه ذلك في ظل المستجدات المتسارعة، تقول البشر: «على الرغم من أن صوت الكاتبة كان في بدايات كثيرة رمزياً وموارباً، لأن الظروف الاجتماعية، كانت تفرض عليها قول الحقيقة بطريقة غير مباشرة، صار صوتها اليوم أكثر وضوحاً وجرأة، وترصد الواقع بوعي وإدراك، فبات الأدب الذي تنجزه أداة نقد وإصلاح، يفتح المساحات المسكوت عنها ويعيد النظر في المسلمات التي تعودنا قبولها دون سؤال».
وعن دور الجوائز الأدبية الدولية، وإلى أي مدى عزّزت تحول الكاتبة إلى طرح قضايا اجتماعية وفكرية بجرأة وشفافية، تقول البشر: «قادت الجوائز الأدبية دوراً مهماً في إظهار هذا التحول، فحين تصل كاتبة إلى القوائم القصيرة أو تفوز بجائزة كبرى، فإن الأمر لا يتعلق بإنجاز فردي فحسب، بل بتغيير صورة كاملة عن قدرة المرأة على إنتاج سرد عميق ومؤثر. وقد عكس ذلك في السنوات الأخيرة تناول الكثير من المبدعات قضايا المجتمع والذاكرة والهوية بجرأة فكرية وصدق إنساني في أعمالهن، التي تحظى بالاعتراف النقدي والجوائز. فالأدب الحقيقي لا يُكافأ لأنه كُتب بيد امرأة أو رجل، بل لأنه استطاع أن يقول شيئاً حقيقياً عن الإنسان».
من جهتها تشير آلاء القطراوي، من فلسطين، المرشحة للجائزة عن فرع المؤلف الشاب، إلى عوامل تسهم في تعزيز حضور الأقلام النسائية وشراكتها في العملية الإبداعية، قائلة: «يشكّل الصدق عاملاً مهماً لدى الكاتبة، إذ تستطيع أن تعبّر بمرونة ودون قيود متعلقة بعادات اجتماعية غير واعية أحياناً، بحيث تصبح الكتابة مرآة لطموحها ومبادئها وأفكارها وآلامها وآمالها وضعفها وقوتها، وبالتالي تكون منهجاً متكاملاً. كذلك حين تتمتع بالثقة في نفسها وطروحاتها، ستبلغ هذا المقام العميق مع ذاتها، وكلما قدمت تجربتها بطريقة فنية مبتكرة، سيظل اسمها سباقاً، وستصبح تجربتها خريطة طريق لتجارب لاحقة».
وترى القطراوي أن الواقع الذي تعيشه الكاتبات يدفعهن للكتابة عنه إيماناً بدورهن في مجتمعاتهن، وتقول: «أدرك أهمية الإشارة إلى الواقع، وأن أكون مسؤولة عن النص الذي أكتبه. لكن مع مصداقية نقل الواقع، لا بد أن تبعث الكتابة النور في لحظة معتمة، فهذا دور كل كاتبة تجاه مجتمعها رغم الظروف القاسية كالحروب والفقد والنزوح».
وحول أهمية إبداء الثقة في إبداع المرأة الأدبي ودوره في تحفيز المبدعة على ممارسة دور أكبر في عملية التنمية المستدامة، تقول نوال نصر الله، من العراق، المرشحة للجائزة عن فرع الترجمة: «إن الثقة في المرأة العربية وتمكين إبداعها سياسة لا بد منها. فوصول المرأة الخليجية -مثلاً- إلى مراكز في الدبلوماسية وإدارة مؤسسات كبيرة يشكّل نموذجاً لهذا التمكين، ومثله الاهتمام الجاد بإبداعات المثقفات العربيات في جهود التأليف والترجمة وتسويق أعمالهن، بخاصة أن المرأة العربية منذ القدم تسهم في تنمية مجتمعها، والثقة والاعتراف بدورها خطوة مهمة في تنشيط إسهاماتها في التنمية المستدامة».
وتطرّقت نصر الله إلى اهتمام المبدعة العربية بقضايا إنسانية ومجتمعية ووطنية، بعيداً عن السير الذاتية أو التأثر بالكاتبات الغربيات، قائلة: «حددت الأديبات العربيات سماتهن الفريدة من خلال الربط الواعي للإبداع بأنواعه بقضايا المجتمعات العربية المتميّزة عن غيرها. وكان لنضج الكاتبات الرائدات مثل رضوى عاشور وآسيا جبار وعلوية صبح ونازك الملائكة وغيرهن دور بارز في إلهام أجيال من العرب المتطلعين إلى مستقبل يحقق العدالة الاجتماعية لنسائه ورجاله بعيداً عن الوصايات الأجنبية».