محمد عبدالسميع (الشارقة)

تجسّد المتاحف الوطنية في الإمارات شواهد حية على أصالة الراسخين في عمق التاريخ، وامتداداً حضارياً يوثّق الحضور الإنساني وتفاعلاته العريقة. وقد كشفت التنقيبات الأثرية والبعثات المتخصصة عن لقىً ومقتنيات استثنائية، تفتح نافذةً معرفية على حقبٍ زمنية مفصلية، تتيح استقراء المسارات التاريخية والتجارية للمنطقة، وفهم أنماط العيش والتبادل الثقافي مع الحضارات المجاورة. وهنا، يفيض البحر والبر بكنوزٍ تشكل بانوراما متكاملة تجمع بين النقوش والزخارف وأدوات الزراعة والصيد، وصولاً إلى أدق تفاصيل الملبس والمعيش، مما يسمح بتحليل فلسفة الحياة وتطورها السوسيولوجي عبر العصور.

وحرصت الدولة على مأسسة الاحتفاء بهذه المكتشفات، محولةً الفضاءات المتحفية إلى سردية كبرى تربط بين ثنائية المكان والإنسان في شبه الجزيرة العربية، ممتدةً بآفاقها نحو الهلال الخصيب، وبلاد الشام، وصولاً إلى أطراف أفريقيا وآسيا وأوروبا. لتصبح هذه الصروح محطة جوهرية لكل باحثٍ أو زائر يسعى لاستكشاف الجغرافيا التاريخية وشبكة العلاقات الدولية التي صاغت وجه المنطقة في غابر الأزمان.
ولم يكن لهذا الزخم أن يكتمل لولا تبنّي سياسات متحفية ورؤى إدارية رائدة، زاوجت ببراعة بين أحدث تقنيات العرض و«الرقمنة» وبين عبق التراث وأصالة المضمون، لتتحول المتاحف إلى مرايا تعكس تطور الأنماط الحياتية وتمازج الحضارات، في مشهدٍ تتجلى شواهده في كافة أرجاء الإمارات.

التجربة الإنسانية
ومن بين أبرز المتاحف الوطنية، يعد «متحف زايد الوطني» صرحاً معرفياً تشرح مقتنياته فصولاً ممتدة من التجربة الإنسانية على أرض الإمارات، حيث تتصدر «لؤلؤة أبوظبي» المشهد كشاهد إثبات يعود لنحو 8000 عام، إذ اكتُشفت في مستوطنة من العصر الحجري الحديث عام 2017، لتؤكد بجذورها الضاربة في عمق التاريخ ريادة المنطقة في فنون الغوص والزينة منذ الأزل.
وفي سياق التطور الاقتصادي، تبرز عملة «أبيئيل» (100-300ق.م) كنموذج لأوائل المسكوكات المحلية المتأثرة بنقوش الإسكندر المقدوني، مما يعكس انفتاح المنطقة وتفاعلها الحضاري. وتتوالى الشواهد التاريخية لتشمل «رأس فأس» نحاسية من صنع الجبال المحلية قبل 3000 عام، كدليل جليّ على براعة الاستيطان البشري في المناطق الجبلية والساحلية.
وعلى صعيد النسيج الاجتماعي والديني، يضم المتحف «زخارف كنيسة صير بني ياس» (600-800م)، التي تؤرخ لوجود المسيحية المبكر في المنطقة، مدعومة باكتشافات أثرية لدير ومنازل تعود للقرنين السابع والثامن.

العصر الإسلامي

أما في العصر الإسلامي، فيبرز «طبق الكريستال الصخري» العباسي، والذي يعود إلى الفترة من 800 إلى 900 ميلادي، واستخدم من قبل الأثرياء لحفظ الكحل وغيره من مساحيق التجميل، وقد عثر في الإمارات على قطع فاخرة مماثلة يعود أصلها إلى مناطق المحيط الهندي، ما يدل على نشاط التجارة على طول الخليج العربي في الفترة الإسلامية المبكرة.
ويشمل المتحف على «مصباح من العصر العباسي» العائد إلى الفترة من 900 إلى 1100 ميلادي، يحمل زخارف ذات نقوش عربية تشير إلى أنه كان يعلق في المسجد، مع وجود ألفاظ وردت في القرآن الكريم على هذا المصباح.
ويمتد هذا الثقل المعرفي ليصل إلى التواصل مع الشرق الأقصى عبر «طبق أغصان الرمان» من عهد سلالة مينغ الصينية، في الفترة 1426 إلى 1435 ميلادي، موثقاً الروابط التاريخية مع مدينة جلفار القديمة. 

النهضة الطبية

ولا يغيب البُعد الإنساني والرعاية الصحية عن مقتنيات المتحف، بدءاً من «المعنقة» العطرية التي استخدمتها الأمهات في الظفرة قديماً لتهدئة الرضع، وصولاً إلى «السماعة الجينية» (1960-1970 م) التي توثق بدايات النهضة الطبية الحديثة.
وتتحول جولة المقتنيات في «متحف زايد الوطني» إلى قراءة فاحصة في الإنتاج الحرفي والاستيطان البشري، حيث يستنبط العلماء من كل قطعة دليلاً متجدداً على رسوخ وتطور الحضارة العربية والإسلامية عبر العصور.