أبوظبي (الاتحاد)

يتبنّى الشاعر المغربي حميد بركي رؤيةً فلسفيةً متفرّدة للقصيدة العمودية، مستشرفاً آفاق التجديد في بنيتها، ومؤكداً على محورية الشعر وألقه البياني في الراهن المعاصر. فالشِّعر عند بركي لا يقف عند حدود التدفق الوجداني العابر، بل يتجاوزه ليكون مشروعاً فكرياً متكاملاً، إذ يرى في ملاحقة الجمال وفحصه بدقة ضرورة حيوية للوجود.
وينأى بركي بالقصيدة عن الدور الوظيفي المباشر ليجعل منها رؤية جمالية تنحاز للحسّ الإنساني. وفي اشتغاله الشعري، يستلهم بركي موضوعاته من تأمل التفاصيل اليومية، مقتنصاً بوعيه جوهر الواقع، ليصوغه في قوالب شعرية وتساؤلات فلسفية تمسّ الوجدان الجمعي، إيماناً منه بأن القصيدة هي إعادة تعريف للذات، لا تتحقق إلا عبر لغة الشعر الخالصة، بوصفها اللغة الأسمى للجمال.
ويفرّق الشاعر المغربي حميد بركي بين القصيدة الكلاسيكية والقصيدة العمودية، في أنّ العمودية تقبل الاشتغالات الحديثة، وأنّ القصيدة الكلاسيكية إنْ لم نذهب إلى مساءلتها، وبقينا ننسج على منوال من سبق فيها، فسنظلّ نكرّر أنفسنا، ولن نضيف جديداً، متحدثاً عن الروح التي يجب أن نبثّها في القصيدة العمودية، والصور الشعرية التي يجب أن تكون جريئةً ومحمولةً على الرؤية والقلق الفكري لما نعيش، لتبقى هذه القصيدة منفتحةً على المغامرة، وهو ما لا يتنافى مع التراث.

التجديد والتراث

يوضّح بركي أنّ أزمة الشعر ليست في القافية أو الوزن، وإنما هي أزمة رؤية من الأساس، باعتبار القصيدة قضية وهدفاً، وذاتاً ووجدان أمّة وحضارة، مبيناً أنّ القصيدة مشروع يقدم الروح والفكر، خصوصاً أنّ أسئلة القصيدة لدى البعض قد تزول، وهو ما لا يتماشى مع بقاء الشعر وأسئلته على تماس بنا طوال الحياة.
وحول التجديد والتراث، يرى بركي أنّ التراث أشبه بنهر نأخذ منه، وليس متحفاً نحرسه من الغبار، مهتمّاً بما يسميه «قلق المرحلة والأسئلة الوجودية للإنسان»، حيث التجديد ليس لإظهار أننا نخرج على ما هو موجود أو على القديم، بل هو استجابة لما هو حيوي من تحوّلات الوعي.
يعتبر بركي أن «الجمود» بمثابة خذلان لطبيعة الشعر، مؤكداً أنّ القصائد دائماً يجب أن تضيف لا أن تتكلس، وأنّ الشعر رابط ما بين الوجدان والعقل، ولا بدّ بعد الإلهام أو شرارة الشعر من هندسة القصيدة وصياغتها في وعاء، مع عدم التقليل من ضرورة وحيويّة الإلهام الذي يوقظ اللغة في داخلنا، لتقديم قصيدة رائعة كمشروع، مشبّهاً ذلك بالقهوة التي لا يمكن أن نشربها من دون فنجان.