فاطمة عطفة (أبوظبي)

يمثل العيد في وجدان المجتمع الإماراتي لوحة تراثية نابضة بالحياة، تتضافر فيها الشعائر الدينية بروح الأصالة والقيم الاجتماعية المتوارثة، لترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز أواصر التراحم بين الأجيال، تسترجع عدد من المبدعات والباحثات الإماراتيات ذاكرة العيد، بدءاً من المراجع التوثيقية التي حفظت العادات الإماراتية الأصيلة، وصولاً إلى التفاصيل الدقيقة للأزياء التقليدية والفنون الشعبية، ليصبح العيد جسراً يربط ماضي الأجداد بتطلعات الأبناء.
أوضحت الروائية مريم الغفلي، أن من أبرز المراجع التي وثّقت الطقوس الاجتماعية في الإمارات والخليج: كتاب «العادات والتقاليد في دولة الإمارات العربية المتحدة»، للشيخ محمد بن أحمد الخزرجي، وكتاب «تراث الإمارات الشعبي» للكاتب والإعلامي عبدالله عبدالرحمن، إضافة إلى دراسات الدكتورة موزة غباش، وإصدارات مركز الشيخ حمدان بن محمد لإحياء التراث، التي اعتمدت على الروايات الشفوية والتوثيق الميداني، مما أعطى صورة دقيقة عن الممارسات اليومية والاحتفالية.
وتابعت الغفلي: في السنوات الأخيرة أسهمت بعض القنوات المحلية في تعزيز التراث ولعبت دوراً كبيراً في هذا الشأن عبر استضافة كبار السن، وكل من هو معني بالتراث في جلسات يومية، وباتت مثل هذه القنوات مصدراً كبيراً لنقل التراث والعادات والتقاليد من صدور الأمهات والآباء وترسيخه لدى الأبناء والبنات في هذا الجيل بشكل خاص.
وتستعرض الغفلي بعض الطقوس الروحانية والتقاليد الاجتماعية في الأعياد، حيث تبدأ بالتكبيرات، ثم صلاة العيد، ثم تحضر «فوالة العيد»، ويتم نقش الحناء ليلة العيد وتجهيز الزعفران والعطور. وتأتي زيارة الأقارب على رأس طقوس العيد، وتبادل التهاني بعبارات متوارثة مثل: «مبارك عيدكم»، «عساكم من عواده»، إضافة إلى تقديم العيدية للصغار، كما تؤدى الفنون الشعبية مثل «العيالة» و«الرزفة»، وسباق الهجن وهي طقوس تحمل بعداً جماعياً وهوية ثقافية متوارثة، حيث تمتزج الروحانية بالدور الاجتماعي في تعزيز الترابط والانتماء.
وقالت الكاتبة فاطمة المزروعي: «يتميّز العيد في دولة الإمارات بطقوس دينية واجتماعية تعكس التراث الإماراتي الأصيل وروح المجتمع المتكاتف، حيث تبدأ الاستعدادات للعيد قبل حلوله بأيام، ويحرص الناس على إخراج زكاة الفطر، وتنظيف المنازل، وشراء الملابس الجديدة، إضافة إلى تجهيز الأطعمة والحلويات التقليدية لاستقبال هذه المناسبة السعيدة».
وترى المزروعي، أن الزيارات العائلية تُعد من أبرز طقوس العيد، حيث يجتمع أفراد الأسرة في البيت «العود»، أي الكبير، أو منزل كبير العائلة لتناول الإفطار وتبادل الأحاديث وتقوية صلة الرحم، كما يحرص الكبار على تقديم «العيدية» للأطفال، وهي مبلغ مالي بسيط يدخل السرور إلى قلوبهم ويزيد من بهجة العيد. وبيّنت عازفة البيانو الفنانة إيمان الهاشمي، أن الأعياد ليست مجرد مناسبة، بل هي حالة شعورية عميقة، موضحة، أن للعطاء في العيد قيمة كبيرة وله معنى مختلف، حيث نشعر بقيمة مشاركة الخير، وإدخال الفرح إلى قلوب الآخرين، وخاصة الأطفال، أما روحانياً فهو فرصة حقيقية للتسامح، وأن نغلق ما أثقلنا، ونفتح صفحة أخف، وأنقى، وأصدق، وأن مثل هذه الأيام المباركة، وخاصة يوم العيد، فإنه يحمل في جوهره تذكيراً جميلاً بأن الحياة أبسط مما نظن، وأن الفرح الحقيقي هو أن نكون مع من نحب، بقلوب صافية ونقية وخاليّه من الشوائب التي تُعرقل مسيرة المشاعر الصادقة.