محمد عبدالسميع (الاتحاد)
في زمن تتسارع فيه التحوّلات المعرفية وتتداخل الثقافات، تظلّ القراءة واحدة من أكثر الوسائل عمقاً لاكتشاف العالم والذات، فهي ليست مجرد فعل معرفي، بل تجربة إنسانية ثرية تفتح أبواباً جديدة للفهم والتأمل، وتمنح القارئ القدرة على العبور بين العوالم والعصور والأفكار والمشاعر، ويرى عدد من الكتاب والنقاد أن القراءة اليوم لم تفقد سحرها، بل ازدادت أهمية في ظل الانفتاح الثقافي وتدفق المعلومات، حيث أصبحت وسيلة لبناء الوعي، وتشكيل الشخصية وتنمية الخيال.
أكد الكاتب والمترجم والشاعر عاطف عبدالمجيد، أن الأعمال المترجمة تحمل في ثناياها عوالم أخرى وثقافات وطقوساً وإبداعات لأصحابها، بصرف النظر عن مجال هذه الأعمال، ملخّصاً هذا الجمال القرائي بأنه سفر إلى عوالم أخرى، وارتياد مناطق عبر صفحات الكتاب، لا سيّما وأنّ العالم اليوم يتكامل في ثقافاته وأفكاره، ونشتاق دائماً إلى معرفة الآخر، في أدبه وطرق تعبيره ورؤيته للحياة والمكان، وكأننا بالكتاب نسافر إلى هذا العالم، دون أن نبرح مكاننا، وهو ما اعتدناه في السابق ونسير عليه اليوم، اعتماداً على هذا التأسيس الجميل للقراءة. لافتاً إلى أنّ الإنسان لديه جينات قرائية تحتاج لمن ينمّيها ويهيئ لها البيئة المناسبة، ومدها بأسباب الاستمرار.
مغامرة جميلة
وأضافت الشاعرة وكاتبة الطفل عبير عبدالعزيز، أنّ القراءة مغامرة جميلة نسير فيها دون أن نخشى متغيراتها أو مفاجآتها، لأنّ كل نتائجها إيجابية، بما تفتحه أمام أعيننا من أبواب مغلقة، حيث نجد أنفسنا مع عوالم رائعة على صفحات الكتاب، مؤكدة ضرورة ترغيب الأطفال في القراءة وتعليمهم أنها غذاء لأرواحهم، فيمكن لكل أم أن تقرأ لطفلها قصة أو قصيدة شعر ليتعرف الطفل منذ نشأته على التذوق الأدبي والفني.
أثر متجدد
يرى الشاعر والناقد أحمد حسن، عضو لجنة الشعر بالمجلس المصري الأعلى للثقافة، أنّ القراءة تجربة لا يمكن الإحاطة بها في كلمات قليلة، لما لها من أثر عميق ومتجدد، فهي رحلة معرفية تبدأ من الطفولة ولا تنتهي عبر مختلف مراحل الإنسان العمرية والثقافية، فهي عملية فريدة لا تُقارن بغيرها، بما تمنحه للقارئ من اتساع في المدارك وعمق في الفهم وتشكيل للوعي. ويستشهد في ذلك ببداية الوحي بكلمة «اقرأ»، بوصفها إشارة دالة إلى مكانة المعرفة في بناء الإنسان، حيث تفتح هذه الكلمة باب التأمل في معانيها بوصفها مدخلاً للنور والخلاص من الجهل. ويضيف أنّ اقترانها بـ«الذي علّم بالقلم» يعكس قيمة التعلم المستمر، ويؤكد أنّ القراءة تظلّ الطريق الأوسع نحو المعرفة والفهم السليم للحياة.
وبيّن الدكتور علاء الجابري، أستاذ الأدب والنقد بجامعة قناة السويس، أنّ القراءة أول طريق لتكوين الرأي والشخصية، ومعرفة الفروق بين الأشياء، والتمييز بين الآراء، بل ومعرفة كيفية اختيار الطريق الصائب والملائم للإنسان، اعتماداً على أنّ القرارات لا تأتي من فراغ، وإنما تُبنى على علم ومعرفة، والحكمة لا تأتي إلا من خلال القراءة والتكوين الثقافي المستمر والمتنوع، حيث يواجه الإنسان في حياته الكثير مما يحتاج معه إلى التأني والفهم والتمييز بين الاختيارات المطروحة والمفاضلة بينها. ويعتبر الجابري أنّ كلّ كتاب نقرأه هو بمثابة صديق في صفّنا، ومن هنا تبرز أهمية انتقاء المفيد، خاصة في عصر الانفتاح الثقافي وتدفق المعلومات، وهو ما نستطيع أن نطلق عليه «الانتقاء القرائي»، وهذا ما نحتاج إلى غرسه في عقول الأجيال الجديدة من القراء الشباب.