فاطمة عطفة (أبوظبي)
يبرز الوعي الثقافي بوصفه المساحة الأعمق التي يتجلى فيها تماسك المجتمعات وقدرتها على الصمود. وفي الإمارات، يتجسّد هذا الوعي في صورة تلاحم اجتماعي يومي، تتقاطع فيه القيم الإنسانية مع التجربة الثقافية، لتشكّل معاً نموذجاً متفرداً في التعايش والانتماء. فالثقافة هنا لا تقتصر على الإنتاج المعرفي، بل تمتد لتكون حاضنة للهوية ومجالاً لصياغة وعي جمعي متماسك. وبين تنوع المجتمع واتساع فضائه، يصبح كل فرد جزءاً من سردية مشتركة قوامها الاحترام والتكافل، وقدرة دائمة على تجاوز التحديات بروح جماعية.
قال الدكتور عمر عبد العزيز، مدير الدراسات والنشر في الشارقة، إن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً من الحكمة والرؤية الواضحة لتحديد معالم الطريق، مع التأكيد على ترسيخ القيم التي قامت عليها تجربة الإمارات، والتي شكّلت أساس إنجازاتها وانعكست إيجاباً على الوعي المجتمعي، لتقدّم نموذجاً متقدماً على المستويين العربي والإقليمي. وأضاف أن إنجازات الدولة امتدت لتشمل مختلف مناطقها، بما يعزّز نموذج الاستقرار وسيادة القانون. وأوضح أن تبنّي رؤية ثقافية إنسانية شاملة أسهم في التعامل مع التحديات المختلفة، إلى جانب التمسك بالقيم الإماراتية الأصيلة وتعزيز التلاحم المجتمعي في مواجهة المتغيرات الإقليمية. وأكد أن الخيارات الإماراتية، المستندة إلى مسيرة من النجاح والتقدم، ترتكز على السلم والتضامن، والانفتاح على البدائل، والاستفادة من التجارب الناجحة.
حقيقة معيشية
ويرى الباحث الدكتور محمد البشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات الإسلامية، أننا نمر في لحظة إقليمية تتصاعد فيها التحديات وتتقاطع فيها رهانات الأمن والاستقرار، وفي هذه الظروف، يتجلى التضامن الوطني في الدولة بوصفه حقيقة معيشية لا شعاراً مرفوعاً. فالإمارات لم تبنِ قوتها على أدوات الردع وحدها، بل على نسيجٍ اجتماعي متماسك تتلاشى فيه الفوارق بين مواطنٍ ومقيم في كرامة العيش وأمن الحياة، حيث يتقاسم الجميع ذات المجال الحيوي، وتتوحد المصالح تحت مظلة دولة عادلة واثقة في مشروعها وفي هذا السياق، تكتسب كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عمقها الاستراتيجي حين قال: «لحمتنا مرة»، تعبيراً عن صلابة الدولة، وأن «الغد سيكون أفضل»، ترسيخاً ليقينٍ سيادي لا يتزعزع.
وأكد البشاري، أن المناعة الوطنية هنا ليست مجرد تحصين أمني، بل بناء مركب يقوم على وعيٍ جمعي، وعدالةٍ ضامنة، وثقافةٍ حاضنة تعيد إنتاج الانتماء في كل جيل، لافتاً إلى أن الثقافة، بما تختزنه من قدرة على تشكيل الوعي، تتحول إلى خط الدفاع الأول، تُفكك خطاب التشويش، وتؤسس لسردية وطنية جامعة، تجعل من كل فرد - مواطناً كان أو مقيماً - شريكاً في صيانة الاستقرار، وهكذا يصبح التلاحم بين المجتمع وقيادته معادلة قوة، بها يتحول التحدي إلى فرصة، ويصان الوطن من داخله قبل حدوده.
مسؤولية مشتركة
وقالت الروائية مريم الغفلي إن المنطقة تمرّ بظروف دقيقة وصعبة، وتكمن هذه الصعوبة في الانفتاح الإعلامي الواسع، وتعدد مصادر المعلومات، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب بروز مؤثرين لا يُعرف كيف ومتى أصبح لهم هذا التأثير. لذا، تتطلب هذه المرحلة وعياً جماعياً ومسؤولية مشتركة من جميع أفراد المجتمع، وفي مثل هذه الأوقات، تبرز أهمية التضامن والتآلف الاجتماعي كركيزة أساسية للحفاظ على الاستقرار وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات. مضيفة، أن المجتمع حين يتكاتف يصبح أكثر قوةً وصلابةً في مواجهة الأزمات، وفي هذه الظروف، يكثر مروّجو الإشاعات وأشباه المثقفين، إضافة إلى المندسين الذين يسعون إلى الترويج لأجندات خاصة، إنّ تشكيل المناعة الوطنية يعتمد على عدة عوامل، أبرزها ترسيخ قيم الانتماء والولاء المتجذّرة لدى مجتمع الإمارات.
التضامن والتآلف
أوضحت الكاتبة مها أبو حليقة، أنه في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة، تزداد أهمية التضامن والتآلف بين مختلف مكوّنات المجتمع وأطيافه، من قيادة وشعب ومقيمين على تراب هذا الوطن الغالي، كلٌّ حسب موقعه وتكليفه. وقد ظهر ذلك جلياً ومطمئناً، بل ومدهشاً ومتجاوزاً لكل التوقعات. لافتة إلى أن الإمارات جميلة بمبادئها الراسخة التي أرساها الوالد المؤسس، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وعلى هذه المبادئ مضت مسيرة الوطن، وتشكلت مناعته الوطنية وثوابته الأصيلة المبنية على القيم الإسلامية والإنسانية الرفيعة، واحترام القوانين والشرعية الدولية.
وأكدت أبو حليقة أن الثقافة تمثل صمام أمان لتعزيز الهوية والانتماء والوعي، ودعم الفهم الصحيح للأحداث في عالم تتداخل فيه الحقيقة مع الإشاعات، ولكننا في الإمارات كلنا ثقة بأن هذه الأزمة ستمضي وسننهض أكثر قوة وثباتاً، وقدرة على العطاء وتجاوز المحن واستكمال المسيرة، وتحقيق الرقم الصعب، بمكانة راسخة وسمعة طيبة وازدهار ورفعة وأمن وأمان.