أبوظبي (الاتحاد)
أكدت الشيخة علياء بنت خالد القاسمي، المدير العام للأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، أن تعرُّض الأوطان للتحديات لا يختبر فقط صلابة دفاعها، بل عمق قِيمها وتماسك مجتمعها، وقالت لـ«الاتحاد»، إنه خلال الأسابيع الأخيرة، قدّمت دولة الإمارات نموذجاً واضحاً على هذا التوازن، إذ تصدّت قواتها المسلحة بكفاءة واقتدار للاعتداءات، لافتةً إلى أن جاهزيتها ليست مجرد قدرة عسكرية، بل انعكاس لمنظومة راسخة من الالتزام والانضباط. وخلف هذه الجاهزية يقف رجال ونساء نذروا أنفسهم لخدمة الوطن، يعملون بصمت، ويؤدّون واجبهم بثبات بعيداً عن الأضواء، بفضلهم تستمر الحياة، ويمضي المجتمع في مسيرته بثقة، فالوطن يتقدّم لأنهم لا يتوقفون.
وقالت الشيخة علياء القاسمي، إنّ الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات سعت إلى التعبير عن الامتنان بتقديم عمل موسيقي تكريمي يستند إلى قصيدة «رجال والله رجال» لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، هذه اللوحة الإبداعية التي تحتفي بمَن كرّسوا أنفسهم لحماية الوطن، وتحمل في مضامينها فصاحة المعنى وعُمق القيم، وتحديداً معاني الشجاعة والالتزام والتفاني التي تميّز من يقفون درعاً لحماية الإمارات، وكانت مهمة الموسيقيين تحويل هذا المعنى إلى ملحمةٍ موسيقية، مبيّنةً أن العمل من إبداع أحمد الأحمد في التأليف الموسيقي، الذي استند إلى الفن الإماراتي العازي، قبل أن يُعيد أحمد الموجي صياغته في توزيع أوركسترالي متكامل، يجمع سبعين آلة موسيقية وثلاثين مغنياً من فريق الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يبدأ العمل بصوت الكورال منفرداً، مرسياً الإيقاع والأساس اللحني، ثم تتوالى تداخلات الأوركسترا تدريجياً، ليزداد البناء الصوتي اتساعاً وعمقاً مع تصاعد النص الشعري، وفي لحظاته الختامية، تنضم أصوات السوبرانو، لا لتعلن انتصاراً صاخباً، بل لتمنح العمل بُعداً تأملياً هادئاً يرافق الوجدان طويلاً حتى بعد الختام.
وأوضحت أنه لم يكن تقديم هذه المقطوعة عملاً فنياً اعتيادياً، فقد أُنجزت في فترةٍ زمنية محدودة، خارج إطار التحضيرات المعتادة، وخلال شهر رمضان، وفي وقتٍ كانت تمر فيه الدولة بظروفٍ استثنائية، ومع ذلك، ساد بين أعضاء الأوركسترا الوطنية والكورال إدراكٌ مشترك لطبيعة هذه اللحظة ولمسؤوليتهم تجاهها، بوصف هذا العمل إحدى صور المساهمة الثقافية التي تقتضيها مثل هذه الظروف، فهناك لحظات يتقدّم فيها دور الثقافة بوضوح، ليصبح التركيز فيها أقل على الأداء بوصفه فعلاً فنياً، وأكثر على المساهمة بوصفها تعبيراً عن موقفٍ ومسؤولية. فعندما قدّم عازفو الأوركسترا الوطنية مقطوعة «رجال والله رجال»، لم يكن ذلك أداءً موسيقياً فحسب، بل رسالةً حملت باسم المجتمع تعبيراً عن التقدير للتفاني، وبياناً للتضامن، واعترافاً بما يعنيه حماية الوطن وصون مَنْ يعيش على أرضه.
إنصات حقيقي
وأكدت الشيخة علياء القاسمي أنها تأمل أن يجد هذا العمل طريقه إلى الناس، وأن يمنحهم لحظة إنصاتٍ حقيقي، لا للاستماع فحسب، بل لاستحضار معناه. لحظة يتذكرون فيها أولئك الذين يسهرون على حماية الوطن بينما يمضي الآخرون في حياتهم اليومية، ويستشعرون الحضور الهادئ والدائم لمن يواصلون صون أمن هذا البلد واستقراره كل يوم. كما نأمل أن تبقى للموسيقى مكانتها في كيفية تجاوزنا للأوقات الصعبة، وأن تظل مساحةً نعود إليها لا للتأمل فحسب، بل للتذكّر أيضاً، لنتمسك بما هو جوهري، ولنستعيد إحساسنا بالانتماء إلى ما هو أكبر من ذواتنا. مختتمة حديثها، فهذا، في جوهره، ما تتيحه لنا الموسيقى، لأن تعبّر عن امتناننا، وأن تمنح فخرنا صوتاً مشتركاً، وأن تكرّم أولئك الذين يجعلون من الممكن لهذا الوطن أن يواصل مسيرته بثبات وقوة. فأحياناً تعبّر الأوطان عن تقديرها بالكلمات، وأحياناً بالشعر، وأحياناً أخرى بالموسيقى، هناك لحظات يشترك فيها جميع مَن يعيش على هذه الأرض المعطاء بشعورٍ واحد، وحينها قد لا يكون أبلغ التعبير في ما يُقال، بل في ما يُسمع.