محمد عبدالسميع

تتجلى قيم الصمود الوطني في كلّ ما يحيط بنا في الإمارات من تراث ثقافي، معنوي ومادّي، حيث نجد العلاقة قويةً في المفردات الطبيعية كالشجر والحجر، والصحراء والجبل والبحر. وكلّ ما ينبثق من هذا التراث هو استلهامٌ حَيٌّ تجسَّدَ في العادات والتقاليد المستمدة من صميم هذه البيئة وصفاتها الأصيلة، فكان الشموخ والاعتزاز والثبات واليقين بقوة المبدأ، وهي الرموز التي تخللت المجتمع الإماراتي في أوجه التعبير والتعامل الإنساني اللين من غير ضعف، والقويّ من غير تعنُّت. وكما كانت القصيدة والمثل الشعبي، كانت الأغنية و«الشلّة» والأهازيج والفلكلور، جميعها متضمّنةً هذا الإرث الكبير، الذي لم يكن يوماً صامتاً أو بمعزلٍ عن تشكيل الوجدان الحسيّّ للهوية الوطنية. 

الثبات والتسامح
يؤكد الأديب والباحث الإماراتي في التراث الشعبي فهد المعمري أنّ مفهوم التلاحم والصمود في الإمارات يمثّل نتاجاً عميقاً لتفاعل الإنسان مع بيئته، حيث كانت الطبيعة معلماً وجودياً أسهم في تشكيل الوعي الجمعي والوجدان الثقافي. فالإنسان الإماراتي، وهو يواجه قسوة الصحراء وشح الموارد، تعلّم أن البقاء لا يتحقق إلا بالتكاتف، فتحوّلت عناصر الطبيعة إلى رموز بصرية وفكرية، فالصحراء صارت رمزاً للصبر والامتداد، والماء -في ندرته- صار قيمة للكرم والعطاء، أما الخيمة فغدت أيقونة للضيافة والانفتاح.
وأشار إلى أن شجرة الغاف تبرز بوصفها رمزاً فلسفياً بالغ الدلالة، فهي شجرة تضرب بجذورها عميقاً في الأرض، وتمنح ظلّها في أشد الظروف قسوة. هذا الامتداد الجذري يقابله، في البنية الاجتماعية الإماراتية، عمق الروابط الأسرية والمجتمعية، حيث يقوم المجتمع على ثنائية الجذور والظل، الجذور التي تمثل الثبات في القيم، والظل الذي يمثل الاحتواء والتسامح والتعايش. فالغافة ليست مجرد شجرة، بل هي استعارة حية لروح المجتمع: صامدة في أصله، كريمة في عطائها، متسامحة في امتدادها.
ويرى المعمري أنّ الموروث الثقافي، بشقيه المادي وغير المادي، أسهم في ترسيخ هذه القيم وتعزيزها. فالعمارة التقليدية، بما فيها من بيوت طينية أو حجرية، لم تكن مجرد حلول بيئية، بل كانت تعبيراً عن فلسفة التكيّف والتكافل، حيث تتقارب البيوت وتتجاور، بما يعكس روح الجماعة.
ومن جهة أخرى، فإن ثنائية البحر والصحراء تمثلان ركيزتين أساسيتين في تشكيل شخصية الإنسان الإماراتي. فالبحر بما يحمله من مخاطر وغموض، علّم الإنسان الجرأة والصبر والانفتاح على العالم، بينما الصحراء غرست فيه الجلد والتحمل والاعتماد على الذات. وإذا أضفنا إلى ذلك البيئة الجبلية، بما تحمله من صلابة وعلو، فإننا أمام منظومة بيئية متكاملة أسهمت في بناء شخصية متوازنة تجمع بين القوة والعذوبة، الصبر والانفتاح، الثبات والمرونة.

الصمود والتماسك
وينطلق الشاعر والروائي محمد الحبسي من أنّ الإنسان الإماراتي يُعدّ ابن بيئته، حيث شكّلت الطبيعة التي عاش فيها بين الصحراء والبحر والجبل وعيه الجمعي، فتعلم منها الصبر والتكيّف والتلاحم. فالصحراء.. على اتساعها وقسوتها، علّمته الاعتماد على الجماعة، والبحر بما يحمله من مخاطر رسّخ فيه روح التعاون، أما الجبل فكان مدرسة للصمود والثبات. ومن هنا تحوّلت عناصر الطبيعة إلى رموز بصرية وفكرية تعبّر عن القوة والاتحاد، حيث لم يكن البقاء ممكناً إلا من خلال التكاتف.
ويؤكّد الحبسي أنّ شجرة الغاف تمثّل رمزاً عميقاً لهذه القيم، فهي شجرة تصمد في وجه الجفاف، وتمتد جذورها عميقاً بحثاً عن الحياة، كما تظلّل من حولها وتحتضنهم. وهذه الصورة انعكست على المجتمع الإماراتي، حيث تتجذّر العلاقات الإنسانية في العمق، وتقوم على التماسك والتكافل.

الهوية الوطنية
أكدت الباحثة الإماراتية د.شيخة ضاعن الراشدي أنّ الإماراتي استطاع أن يحوّل تحديات البيئة الصحراوية القاسية إلى مصدر إلهام لقيم الصبر والتكاتف. فقد فرضت طبيعة الصحراء مناخاً من الاعتماد المتبادل بين الأفراد، حيث لم يكن البقاء ممكناً إلا بروح الجماعة.
وتجسد شجرة الغاف رمزاً عميقاً للصمود، إذ تنمو في أقسى البيئات وتغرس جذورها بعمق بحثاً عن الحياة. وقد انعكس هذا المعنى على البنية الاجتماعية الإماراتية التي تقوم على الترابط العميق والتكافل الإنساني. فكما تمتد جذور الغاف في الأرض بثبات، تمتد الروابط الاجتماعية بين أبناء المجتمع الإماراتي، قائمة على الدعم والتلاحم.
وأشارت الراشدي إلى تأثير الجغرافيا المتنوعة في صياغة شخصية الإنسان الإماراتي، فالصحراء غرست فيه قيم الصبر والتحمل، والبحر منحه الجرأة والانفتاح والصبر على تقلبات الحياة، بينما أضفت الجبال عليه معاني الشموخ والثبات.

الوعي الجمعي
وتقول الأديبة الإماراتية نايلة مبارك الأحبابي، إن الاستقرار يتأسس على وعي جمعيّ يُصان بالمسؤولية، كما أنّه دعوة للتماسك، لأن الإنسان ليس فرداً معزولاً، بل خيطٌ في نسيج وطن، والمبدع الإماراتي لا يذوب في العالم، بل يقدّم نفسه إليه، وهو يحمل نخلة بلاده في قلبه، ويخاطب بها العالم بلغةٍ يفهمها الجميع، فالمواطنة العالمية هنا ليست تخلّياً عن الهوية، بل ارتقاء بها، حتى تصبح جسراً للتلاقي، لأن الوعي حين يتجذّر، لا تهزّه العواصف.

السلوك المجتمعي
ويرى الباحث الاجتماعي الإماراتي فيصل البريكي أنّ التماسك الاجتماعي لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة ضرورة عميقة، حين اضطر الإنسان أن يتكئ على الآخر، لا اختياراً بل بقاءً، فصارت المشاركة أسلوب حياة، لا شعاراً، وتحوّل العطاء إلى لغة غير منطوقة تُحفظ في السلوك قبل الكلمات.
ومع الوقت، لم تعد البيئة مجرد إطار يُعاش فيه، بل أصبحت شريكاً في تشكيل الوعي، فصارت الواحات معنى للاحتواء، والنجوم دليلاً لا يخذل، والبحر امتحاناً مفتوحاً للصبر.
كما لم تكن شجرة الغاف مجرد ظلٍ عابر، بل صورة مكثفة لمجتمعٍ يعرف كيف يحتوي أبناءه، يمنحهم مساحة للطمأنينة، ويُعلّمهم أن القرب ليس ضعفاً، بل قوّة تتوزع بين الجميع.
ويؤكد البريكي أنّ التنوّع الجغرافي في الإمارات لم يكن تبايناً في المشهد، بل كان تدريباً على الاتزان، علّم الإنسان كيف يتكيّف دون أن يذوب، وكيف يتمسّك بقيَمِهِ دون أن ينغلق، وكيف يثق بنفسه وهو يعرف جذوره جيداً.

التفاعل الإنساني

تقول الأديبة والباحثة الإماراتية في التراث د.عائشة الغيص، إنّ عناصر الطبيعة في البيئة الإماراتية تحوّلت عبر التفاعل الإنساني الطويل معها إلى رموز ثقافية مركّبة تحمل دلالات الصمود والاستمرارية. فالصحراء لم تعد فراغاً قاسياً، بل صارت أيقونة للصبر والاتساع الداخلي، والبحر لم يعد مصدر رزق فحسب، بل أصبح رمزاً للمغامرة والإقدام، بينما تحوّلت الجبال إلى تجسيد للشموخ والثبات.
وقد تجلّى هذا التحول في: الفنون البصرية، في الزخارف، والألوان الترابية، والرموز المستلهمة من النخلة والغاف والموج، وفي السرديات الشعبية، حيث تحضر الطبيعة بوصفها شريكاً في الحكاية، لا مجرد خلفية
وكذلك في الوعي الجمعي، إذ غدت هذه العناصر مرجعاً ضمنياً لتعريف الهوية والصمود.
ولذلك فقد تشكّلت منظومة رمزية تجعل من الطبيعة «لغةً ثقافية» تُقرأ بصرياً وفكرياً في آنٍ واحد، فشجرة الغاف تُعدّ نموذجاً حياً للفلسفة البيئية التي انعكست على المجتمع الإماراتي، فهي شجرة تضرب جذورها عميقاً في الأرض، وتعيش في أقسى الظروف، وتمنح الظل والعطاء دون مقابل، وهذا الحضور الطبيعي تحوّل إلى دلالات اجتماعية عميقة، فالجذور الممتدة ترمز إلى الامتداد العائلي والترابط القبلي، حيث الأصل ثابت رغم تغير الزمن، كما نقرأ مفهوم القدرة على التكيّف، إذ تعكس هذه الشجرة مرونة الإنسان الإماراتي في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، أمّا الظل الجامع، فيوازي مفهوم «المجلس»، بوصفه مساحة للتلاقي والحوار والتكافل، وعليه، يمكن قراءة الغافة بوصفها نموذجاً ثقافياً للتوازن بين الثبات والانفتاح، وهو ما يفسّر قوة الروابط الاجتماعية واستمراريتها.
وتؤكد د.الغيص أنّ الموروث الإماراتي – بشقّيه المادي والمعنوي – يمثّل بنيةً حاضنة للهوية، ومصدراً رئيساً لقوة المجتمع وتماسكه، فالعمارة الطينية والبيوت التقليدية لم تكن مجرد مأوى، بل نظاماً بيئياً متكاملاً يعكس الاقتصاد في الموارد والانسجام مع الطبيعة الأدوات والحِرف اليدوية تعكس ثقافة الاعتماد على الذات والابتكار المحلي، والأهازيج والقصائد الشعبية تحفظ الذاكرة الجمعية، وتنقل القيم، مثل الشجاعة والكرم، والحكايات الإنسانية والأمثال تؤدي دور «التربية غير المباشرة»، حيث تُغرس القيم عبر السرد، وهذا التكامل يجعل التراث قوة ناعمة وصلبة في آنٍ واحد، فهو يحفظ الماضي، ويؤسس للحاضر، ويوجّه المستقبل.
وترى د.الغيص أنّ خصوصية الشخصية الإماراتية تتجلّى في تفاعلها مع ثلاث بيئات رئيسة، هي البحر، من خلال علّم الجرأة، والانفتاح، والثقة بالمجهول (رحلات الغوص والتجارة)، والصحراء التي غرست الصبر، والتحمّل، والقدرة على التكيّف مع الندرة، والجبال التي جسّدت الشموخ، والثبات، والصلابة في مواجهة التحديات، ومن تلاقي هذه البيئات، تشكّلت شخصية متوازنة تجمع بين القوة واللين الصبر والمبادرة الأصالة والانفتاح، وهي سمات لا تزال حاضرة في سلوك الفرد الإماراتي المعاصر.

الأرض الطيبة

وتؤكد الباحثة الإماراتية في التراث د.عائشة بالخير، أنّ على هذه الأرض الطيبة وُلد شعبٌ وقادةٌ وعاش معهم محبون جعلوا الإمارات قبلة قلوبهم، فكان أن نشأ الجميع في بيئةٍ لا تعرف إلا الحب والصفاء، حيث ضحكات الأطفال تمتزج بسوالف الكبار، وحيث تمتد الصحراء بخيامها المتناثرة التي ترحب بالغريب قبل القريب، وكانت تلك الخيام المفتوحة من كل اتجاه تستقبل الزائر وتحميه من كل جانب، فالضيف، مهما كان غرضه، يُستقبل بكرمٍ أصيل، فإن طلب «الزبنة» أو جاء في حاجة، لم يُعامل كدخيل، بل كفردٍ من القبيلة. تتردد في مسامعه عبارات الترحيب، وتُقدَّم له القهوة، حتى «يعين من الله خير» ويستقر، ثم يُسأل عن «العلوم»، أي عن أخباره ومبتغاه الذي جاء من أجله.
أمّا شجرة الغاف، فكانت ملاذاً للمسافر، ومرتعاً لضحكات الأطفال، ومجلساً تُتخذ تحت ظلاله القرارات، وقد اكتشف العلماء أن للغاف جذوراً تمتدّ عميقاً في الأرض، ويقال إنها تتشارك الماء مع غيرها من الأشجار، في صورةٍ بديعة من التكافل والاستدامة. لذا لم يكن اختيار الغاف رمزاً للتسامح والعطاء عبثاً، بل هو تعبيرٌ صادق عن علاقة الإنسان ببيئته؛ وكيف تُشكّل الطبيعة أخلاق أهلها، فكما أنّ الغاف وطنٌ في الصحراء، فإن الإمارات وطنٌ يسع الجميع.