فاطمة عطفة
تواجه الصناعات الإبداعية، وفي مقدمتها قطاع النشر، تحديات متزايدة في أوقات الأزمات، إلا أن هذه الأزمات تكشف في الوقت ذاته عن أهمية الثقافة كعنصر أساسي في نشر الوعي وتعزيز الهوية الوطنية. ويرى مختصون أن استدامة هذا القطاع ترتبط بقدرته على التكيف مع التحولات الرقمية والتكنولوجية، وتبني أساليب مبتكرة في الإنتاج والتوزيع، مع حماية الملكية الفكرية. كما أن تعزيز العلاقة مع الجمهور، ورفع الوعي بأهمية المحتوى الثقافي، وتطوير شراكات فاعلة، تمثل ركائز أساسية لضمان استمرارية الصناعات الإبداعية في المستقبل.
أكد الشاعر علي الشعالي، صاحب دار «الهدهد»، أن الصناعات الإبداعية في الأزمات تواجه تحديات كبيرة، أبرزها أن الإنسان بطبيعته مجبول على تلبية احتياجاته الأساسية الضرورية لاستمرار حياته، مثل المشرب والمأكل، وفي هذه الحالة تأخذ «الثقافة» خانة متأخرة، وخصوصاً «الكتاب» الذي يتكلف وقتاً ومالاً لشراء الكتاب سواء ورقياً أو إلكترونياً، كما تواجه المجالات الثقافية التي تعتمد على التلقي المباشر، مثل السينما والمسرح أو المعارض الفنية، تحديات تتعلق بالتنقل والحضور.
ويضيف الشعالي أن معالجة مثل هذه الأوضاع، أو السعي لحماية هذه المكتسبات، تتطلب في المقام الأول رفع الوعي، بأن استهلاك «المواد الثقافية» ليس رفاهية أو شيئاً زائداً عن الحاجة، فالروح والنفس والعقل تحتاج إلى هذه المواد بجمالها وبمفاهيمها العميقة، وقدرتها على فتح نوافذ الأمل للإنسان على حياة أجمل ونظرة مستقبلية لتجاوز هذه الأزمات، بالإضافة إلى توسيع مدارك المتلقي وترسيخ الهوية الوطنية ونشر السرديات التي تعزز الرؤية الوطنية، ليكون المنتج الثقافي خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات والتحديات.
مفترق طريق
ويقول د. سيف الجابري، صاحب «دار سيف»، إن التحديات تمثل مفترق طريق للإنسان، إما أن يجد فيها فرصة الاستفادة منها لخلق فرصة أفضل أو يتوقف وينتظر المجهول. لذلك، نجد أن دولة الإمارات منذ تأسيسها تحول الأزمات والتحديات إلى فرص تتقدم بها نحو المستقبل. وأشار إلى أن مجال النشر يعتبر صناعة قوية يشارك في إنتاجها عدد كبير من القطاعات المختلفة، وتغذي السوق بأعمال كثيرة يصعب حصرها، مبينا أن النشر ليس طباعة الكتاب فقط، بل يتعداه لكل حاجات المجتمع المعرفي الذي يتعامل مع منتجات صناعة النشر، مثل المدارس، والمكتبات، والفواتير بمختلف أنواعها وأحجامها، والكرتونيات، وغيرها الكثير من القطاعات المؤثرة على استدامة النشر كصناعة إبداعية.
المحتوى الرقمي
يرى الكاتب محسن سليمان، صاحب «دار العنوان» أننا أصبحنا في عالم يفرض حتمية التعامل مع المحتوى الرقمي، وأصحاب الصناعات الإبداعية أصبحوا مطالبين بهذا التحول، واللحاق بركب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز للمحافظة على وجود الصناعات الإبداعية وتطورها، مع ضرورة وجود آلية لحماية الملكية الفكرية، وتعزيز التوعية بين أفراد المجتمع بأهمية المحافظة عليها، وضمان انتشار المحتوى الإيجابي والرصين.
ويرى سليمان أن تفعيل المنصات الرقمية، وتوفير بيئة آمنة لها، يضمن حقوق العاملين في مجال النشر وفق أفضل المعايير المتبعة عالميا، ويسهم في تعزيز أواصر العمل البناء، مبيناً أن ضمان استدامة الصناعات الإبداعية بشكل عام مرتبط بالرؤية المستقبلة في ظل التطور التكنولوجي الهائل، مما يفرض حتمية إيجاد حلول تقنية، في ظل التحول الرقمي، تسهم في تقليل تكلفة التخزين، وإهدار الورق، مثل الطباعة حسب الطلب، واستخدام أجهزة وبرمجيات لتحويل المحتوى الورقي إلى رقمي، والنشر عبر الإنترنت والوسائط المتعددة، لافتاً إلى أن هذا التحول يسهم في إنتاج عصري مبتكر، يزيد من كفاءة أداء الصناعات الابداعية وانتشارها عالمياً بأقل التكاليف.
الوعي والذائقة
يقول الروائي والشاعر محمد الحبسي: «تتأثر الصناعات الإبداعية، وخصوصاً قطاع النشر، سريعاً بالأزمات، لأنها ترتبط بالوعي والذائقة، وهما أول ما يتغير لدى الناس في أوقات الضغوط. لكن في المقابل، تفتح الأزمات أيضاً مجالاً لإعادة التفكير، وتدفعنا للبحث عن طرق مختلفة في الإنتاج والوصول إلى القارئ، وربما حتى إعادة تعريف دور النشر نفسها».
ويضيف: «تحتاج المسألة إلى تجريب، وحين أقول (التجريب)، فأنا أقصد مثلاً تجربة أشكال جديدة للنشر، كالكتب الرقمية أو الصوتية، أو تقديم المحتوى بطريقة مختصرة وسريعة تناسب نمط الحياة المعاصر، وكذلك التعاون مع منصات مختلفة للوصول إلى جمهور أوسع، أو حتى إعادة تقديم المحتوى ذاته بأساليب متعددة».
وتابع: «أعتقد أن حماية مكتسبات هذا القطاع لا تقتصر على الدعم فحسب، بل تتطلب فهماً لهذه التحولات، وإتاحة مساحة مرنة للتطوير دون خوف من التغيير. كما أن بناء علاقة أقرب مع القارئ أصبح أمراً أساسياً، عبر فهم اهتماماته وطريقة تفاعله. أما الاستدامة، فهي مرتبطة بوجود بيئة تقرأ وتُقدّر المعرفة، وبشراكات ذكية بين المؤسسات الثقافية والتعليمية، ففي النهاية، ليس النشر مجرد صناعة، بل هو جزء من تكوين الوعي، وكلما كان قريباً من الناس، كان أكثر قدرة على الاستمرار».
حماية المكتسبات
أكد الروائي والكاتب حارب الظاهري ضرورة حماية مكتسبات الصناعات الإبداعية أياً كان شأنها، وبالتحديد في مجال النشر الذي يعد ركيزة مهمة في سياق المعرفة والعلوم الإبداعية ومصادر الإلهام الفكري ذات القيمة الثقافية. وشدد على أهمية تذليل التحديات التي تواجهها، كلٌّ حسب موقعه، خاصة أن المشهد الثقافي في طور التوهج المعرفي، مع مراعاة رغبة المتلقي في المفاضلة بين صناعات النشر المختلفة، التقليدية والرقمية، إذ تلعب كل منها دوراً بارزاً في إظهار الابتكارات وتحولها المعاصر. لذا، فإن تعزيز القدرات وتجديد مقومات النشر على أسس حديثة ومبتكرة هما سبيل الاستدامة لضمان توهج المنتج الإبداعي ومواكبة العصر باستراتيجية وطنية طموحة. وفي الإمارات، لا شيء يحول دون أولوية التقدم والتخطيط المسبق، خاصة في ظل الاستقرار الاقتصادي والمجتمعي المحفز للنجاح، فما علينا إلا ترجمة الموروث الثقافي من خلال لغة التخاطب الحديثة واستغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي.