هزاع أبوالريش (أبوظبي)

تُقدِّم مبادرة «الصورة شاهد»، التي أطلقها مؤخراً مركز أبوظبي للغة العربية، الصورةَ بوصفها وثيقةً بصرية لا تقل أهمية عن النصوص المكتوبة، وشريكاً معرفياً فاعلاً في إنتاج المعنى، ووسيطاً قادراً على حفظ الذاكرة الجمعية للإمارة وتوثيق مسيرتها الممتدة من البدايات الأولى حتى ملامح الحاضر المزدهر، ليرسّخ المركز دور الصورة ضمن مشروعه الثقافي لدعم صناعة النشر، وتوسيع دوائر تداول المعرفة، عبر دمج الوسائط البصرية في بنية النشر العربي الحديث، ما يعزز ثراء المحتوى، ويمنح السرد الثقافي أبعاداً أكثر رحابة.
وتنسجم مبادرة «الصورة شاهد» مع الدور الاستراتيجي لمركز أبوظبي للغة العربية في قيادة جهود تنشيط حركة التأليف والنشر، حيث يسعى المركز إلى توسيع مفهوم «النص» ليشمل الصورة باعتبارها خطاباً بصرياً موازياً، قادراً على إنتاج المعرفة وصونها وتداولها.
وفي هذا السياق، تتضمن المبادرة مسابقة فوتوغرافية اتخذت من قصر الحصن محوراً رئيساً لدورتها الأولى، بالتزامن مع الاحتفاء بمرور 125 عاماً على أقدم صورة التُقطت له، وفقاً لما أورده ويليام فيسي وجيليان غرانت في كتابهما «أوائل المصورين في الإمارات العربية المتحدة». وقد التُقطت تلك الصورة عام 1901 على يد القس الأميركي صامويل زويمر.
ومع مطلع القرن العشرين، أصبحت منطقة الخليج ساحةً دوليةً نشطةً استقطبت الرحالة الذين جاؤوا بكاميراتهم لرصد ملامح حياة السكان. ومن بينهم الألماني هيرمان بورخارت، الذي اعتمد في توثيق مشاهداته على الصورة أكثر من الوصف الإنشائي، فقد زار أبوظبي والتقط أقدم صورة للحاكم السابع لإمارة أبوظبي، الشيخ زايد بن خليفة بن شخبوط آل نهيان، المعروف بـ«زايد الأول»، بينما كان يستند إلى جدار قصر الحصن مرتدياً عباءة سميكة، في توثيق بصري دقيق لملامح تلك المرحلة.
وفي إطار استكشاف النطاقات الجغرافية، شكّل قصر الحصن، الذي ظل مقراً للحكم حتى عام 1971، محطة بارزة على خريطة رحلات كثير من الرحالة الأجانب، ومنهم البريطاني ويلفرد ثيسجر، الملقب بـ«مبارك بن لندن»، الذي وثّق الحياة في أبوظبي خلال أربعينيات القرن الماضي في كتابه الشهير «الرمال العربية»، والتقط صوراً مهمة للقصر. كما كان البريطاني رونالد كودري من بين الرحالة الذين شغفوا بالقصر، إذ التقط له صوراً جوية عام 1949.
ولم تكن تلك الصور مجرد لقطات ضمن أرشيف الرحلات الاستكشافية، بل أسهمت في تأسيس ذاكرة بصرية تحفظ ملامح المكان وتحولاته، فالصورة، بما تمتلكه من قدرة على التوثيق والتأمل، تحولت إلى راوٍ لحكاية مدينة تغيّرت ملامحها جذرياً خلال قرن واحد، بعد أن أمسكت بزمام قيام دولة اتحادية قوية.
ولم يكن اهتمام الرحالة الأوروبيين بقصر الحصن محض مصادفة، فتاريخه يمتد إلى نحو 250 عاماً، إذ شُيّد في قلب أبوظبي لحماية بئر مياه عذبة اكتُشفت عام 1761، قبل أن يتطور تدريجياً من برج مراقبة إلى حصن، ثم إلى مقر للحكم ومركز لإدارة شؤون الإمارة. ومع توسع أبوظبي وتحولها إلى مدينة حديثة نابضة بالحياة، ظل القصر ثابتاً في موقعه، شاهداً على تحولات كبرى أعادت تشكيل الجغرافيا والإنسان والمدينة.