فاطمة عطفة 

تشهد الفنون التشكيلية تحولات متسارعة تواكب التطور العمراني والتكنولوجي الذي تعيشه المدن الحديثة، حيث اتسعت مساحة حضور الفن داخل الفضاءات العامة والصناعية، وأصبحت الأعمال الفنية جزءاً من المشهد البصري والثقافي للمجتمعات. ومع تنامي الاهتمام بالاقتصاد الإبداعي، برزت الحاجة إلى بيئات إنتاج متكاملة تجمع بين الفنان والتقنيات الحديثة وقطاعات التصنيع والتنفيذ.
ويطرح عدد من الفنانين الإماراتيين رؤيتهم حول العلاقة بين الفن والصناعة والتكنولوجيا، مؤكدين أهمية توفير فرص مستمرة للإنتاج، ودعم حضور الفنان في مشاريع الفن العام. 

تؤكد الفنانة والكاتبة هدى سعيد سيف أن الفن يُشكّل «مصنعاً جمالياً» تتفاوت طبيعة إنتاجه وجودته من فنان إلى آخر، كما تختلف الفئات التي يستهدفها داخل المجتمع، وترى أن أدوات الفنان، مهما تنوعت، تبقى مجرد وسائل تخدم الفكرة، فقد يستخدم أحدهم المنشار في النحت التقليدي، بينما يلجأ آخر إلى تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد في النحت الحديث، إلا أن الفكرة تظل العنصر الحاسم ومقياس التقييم الحقيقي، فهي التي تمنح العمل قيمته الفنية، وتفصل بين الإبداع والعبث، كما تعكس السيرة الذاتية والروحية للفنان.
وتوضح هدى سعيد سيف أن تجربتها الفنية «سعف النخيل»، والتي بدأت العمل عليها منذ عام 2003، تنطلق من الإيمان بقدرة الخامات البسيطة والأدوات البدائية على إنتاج عمل يحمل روح الأصالة وعمق الفكر التراثي، مؤكدة أن قيمة العمل الفني لا تُقاس بحداثة أدواته بقدر ما تُقاس بقدرته على خلق معنى إنساني وجمالي متجدّد.
وأشارت إلى أن هذا العمل يستعرض عالماً مشبعاً بذاكرة الطفولة واستدعاءات الماضي، فلا يكتفي بمخاطبة حاسة البصر أو اللمس، بل يستحضر حاسة الشم، فيمكن للمتلقي التقاط رائحة الخشب وأوراق النخيل الجافة التي أثقلها الزمن واللعب والتأمل. كما تتشكل داخل العمل أصوات متخيلة، أصوات احتكاك الأوراق بالأغصان، وصرخات الدُّمى الخشبية وهي تتشبث بالحياة كي يراها المتلقي، في مشهد بصري ووجداني غني.
وأضافت أن من خلال هذا التصور، يمكننا إعادة تعريف «مصنع الفن» بوصفه فضاءً فلسفياً وخيالياً يخلقه الفنان ليصوغ عالمه الإبداعي الخاص، عالماً يرفع شعاراً واضحاً: «أنا خارج إطار المألوف».

منظومة متكاملة 
قال الفنان جلال لقمان: «إن الفنون التشكيلية في الفضاءات الصناعية والعامة باتت تُشكّل جزءاً أساسياً من منظومة الاقتصاد الإبداعي، في ظل تطور المدن الحديثة وتزايد الاهتمام بالهوية البصرية والثقافية للمجتمعات، موضحاً أن الفنان المعاصر لم يَعُد يعمل ضمن حدود المرسم التقليدي، بل أصبح جزءاً من منظومة متكاملة تضم الفكرة والتصميم والهندسة والتصنيع والتركيب، إلى جانب التفاعل المجتمعي مع العمل الفني».
وأشار لقمان إلى أن الأعمال الفنية الكبرى، ولا سيما النحتية منها، تتطلب بنية إنتاج متكاملة تشمل الورش المتخصصة والتقنيات الحديثة والتعاون بين مجالات متعددة، ما يجعل عملية التصنيع جزءاً من القيمة الإبداعية والاقتصادية للعمل الفني. 
وأضاف أن العلاقة بين الفن والصناعة والتكنولوجيا أصبحت اليوم علاقة مترابطة يصعب فصل عناصرها، في وقت يحتاج فيه الفنانون إلى فرص مستمرة للإنتاج والتجريب للحفاظ على تطورهم الفني، وقدرتهم على الإسهام في تشكيل المشهد الثقافي المستقبلي.
ولفت لقمان إلى أن هناك مساحة أوسع لإشراك الفنان الإماراتي بصورة أكثر عمقاً في تشكيل المشهد البصري والثقافي للفضاءات العامة، انطلاقاً من فهمه الحقيقي للمجتمع والبيئة والهوية المحلية، ولا بدّ من امتداد دور الفنان الإماراتي إلى المشاركة في دوائر اتخاذ القرار المرتبطة بالمبادرات الثقافية والفنية، لما يمتلكه من وعي بالحساسيات الثقافية والاجتماعية والرمزية المرتبطة بالمكان والهوية.
وأكد أن السنوات المقبلة ستشهد اندماجاً أكبر بين الفن والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمليات الصناعية، ما سيفتح مجالات جديدة أمام الفنانين، ويوسّع دورهم داخل الاقتصاد الإبداعي المعاصر، خصوصاً في الإمارات التي أثبتت قدرتها على بناء بيئة تحتضن الابتكار، وتدفع نحو المستقبل، مع الحفاظ على ارتباطها بهويتها الثقافية. 

هوية بصرية 
يرى الفنان النحّات وائل هلال أن الفن التشكيلي لم يَعُد منفصلاً عن الفضاءات الصناعية والاقتصاد الإبداعي، بل أصبح جزءاً من الهوية البصرية والثقافية للمدن والمشاريع المعمارية الحديثة. وأوضح أن العمل الفني، ولا سيما النحت في الفضاء العام، يحتاج إلى منظومة إنتاج متكاملة تجمع بين الفكرة والخبرة التقنية والدعم الصناعي، حيث يتطلب تنفيذ الأعمال الكبرى مواد وتقنيات وورشاً متخصصة قادرة على تحويل الرؤية الفنية إلى واقع ملموس.
وأكد هلال أن الفنان يعيش بطبيعته حالة بحث مستمرة عن فرص إنتاج جديدة، لأن الإبداع لا يتوقف عند عمل واحد، بل يتطور مع التجربة والزمن والفضاء الذي يتحرك داخله الفنان. وأضاف أن وجود بيئة داعمة للإنتاج الفني يفتح المجال أمام الفنان لتقديم أعمال أكثر تأثيراً واستدامة، ويسهم في خلق حوار بصري وثقافي داخل المجتمع. كما أشار إلى أن الاستثمار في الفن العام يعزّز القيمة الإنسانية والجمالية للمكان، ويمنح المدن روحاً وهوية تتجاوز الجانب العمراني التقليدي. 

أسلوب حياة 

أوضحت الفنانة عزة القبيسي أن الفن التشكيلي في الفضاءات الصناعية والعامة لم يَعُد مجرد عنصر بصري، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة الناس وتفاعلهم مع المكان. وأكدت أن العمل الفني بات قادراً على خلق حوار بين الإنسان والبيئة والهوية، وفي الوقت ذاته يسهم في دعم الاقتصاد الإبداعي عبر مجالات التصنيع والحرف والقطاعات المرتبطة بتنفيذ الأعمال الفنية.
وبيّنت القبيسي أن إنتاج العمل الفني، خصوصاً في الأعمال النحتية، يمثّل رحلة طويلة تمر بمراحل متعددة من البحث والتطوير والتجريب قبل الوصول إلى التنفيذ النهائي. وأضافت أن الفنان لا يعمل بمعزل عن الآخرين، بل ضمن منظومة متكاملة تضم الجهات الثقافية والمؤسسات والمصنّعين والفنيين، حيث تسهم جميع هذه الأطراف في تحويل العمل الفني إلى واقع.
وأكدت أن الفنان يحتاج باستمرار إلى فرص جديدة للإنتاج والتنفيذ، لأن تطور الممارسة الفنية يرتبط بالحركة والتجربة والاستمرارية. وأشارت إلى أن استدامة المشاريع الفنية في الفضاء العام تسهم في خلق بيئة ثقافية حية، وتمنح الفنان مساحة لتطوير أفكاره، وفي الوقت نفسه تُعزّز حضور الثقافة باعتبارها جزءاً أساسياً من مستقبل المجتمع والاقتصاد الإبداعي.