لطالما ارتبط الطموح الثقافي لأي دولة بما تبنيه من مؤسسات فنية تعبّر عن هويتها وتواكب مسيرتها الحضارية، ولكن الأساس الحقيقي لهذا المسار يكمن في الطاقات الإبداعية القادرة على تطوير هذه المؤسسات ودفعها نحو آفاق أوسع، ومن هنا جاء إطلاق برنامج «تشييد» هذا الأسبوع ليشكّل بداية فصل جديد في مسيرة التنمية الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة، ينتقل فيها التركيز من تحقيق الإنجازات إلى ترسيخ استدامتها ونقله إلى الأجيال القادمة.
دأبت دولة الإمارات خلال العقد الماضي على توسيع حضورها الثقافي من خلال بناء العديد من المؤسسات الوطنية، ودعم نمو القطاع الإبداعي بما يعزّز ارتباطه بالحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ولا تقتصر البنية التحتية الثقافية على ما تحتويه من مرافق ومنشآت فحسب، بل تتمثّل أيضاً في المواهب البشرية التي تحمل على عاتقها مسؤولية تطوير هذه البُنى ودفعها إلى الأمام. ومن هنا يبرز التساؤل حول ماهية الطاقات الوطنية، التي ستتولى صياغة المستقبل الموسيقي لدولة الإمارات العربية المتحدة.
وانطلاقاً من مسؤولياتنا باعتبارنا الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، فإن الإجابة عن هذا التساؤل لا تُعدّ خياراً عابراً، بل تندرج في صلب أعمالنا، لأن المؤسسات الوطنية مطالبَةٌ بأداء دور محوري في تنمية المواهب التي تضمن استمراريتها وتحقيق رسالتها.
تزخر دولة الإمارات بموسيقيين شباب، يتمتعون بمعرفة راسخة وإمكانات واعدة يمكن تطويرها بشكل أكبر، خاصة في منطقة لا تزال تعمل على بناء مسارات واضحة تمكّن أبناءها وبناتها من الانضمام إلى الفرق الأوركسترالية الاحترافية. وتتمثّل الأولوية هنا في تنمية الطاقات الإبداعية الوطنية، لذلك أطلقت الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة برنامج «تشييد»، وهو مبادرة متخصّصة لتطوير قدرات الموسيقيين الإماراتيين ضمن بيئة أوركسترالية احترافية. ويُعد هذا البرنامج استثماراً مدروساً في الكفاءات الوطنية لدعم استدامة المستقبل الثقافي للدولة، انسجاماً مع الأولويات الوطنية الأوسع، بما في ذلك الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية 2031، والتي تركّز على دعم المواهب وتعزيز استدامة القطاع الثقافي. ويتيح برنامج «تشييد» 17 موسيقياً إماراتياً فرصة تطوير مهاراتهم من خلال مسار تدريبي منظّم يمتد لفترة طويلة، يجمع بين التدريب الفني، والعمل الجماعي داخل الفرق الموسيقية، والإشراف التوجيهي، والمشاركة في تدريبات الأوركسترا على المسرح.
وعندما ينضمّ الموسيقيون الإماراتيون إلى فرق الأوركسترا الاحترافية، فإنهم لا يقدّمون مهاراتهم الفنية فقط، بل ينقلون أيضاً فهمهم العميق للثقافة الإماراتية بما تحمله من إيقاع وتقاليد وهوية متجددة. فهم يسهمون في تشكيل أسلوب الأداء الموسيقي ومعانيه، ويحملون هذا الصوت عبر الزمن.
يمثّل برنامج «تشييد» نقطة الانطلاق فقط نحو مشهد ثقافي أكثر رسوخاً، إذ يندرج ضمن التزام أوسع بتطوير المنظومة الموسيقية في دولة الإمارات العربية المتحدة من بوابة التعليم، والتفاعل المجتمعي. ولا تقتصر مسؤولية الأوركسترا الوطنية على الأداء الموسيقي، بل تمتد إلى المساهمة في التنمية الموسيقية والثقافية الشاملة، والمشاركة في تهيئة الظروف الملائمة لنمو المواهب ودعم الطموحات الثقافية الوطنية، من خلال توظيف الإمكانات الكامنة للأفراد والمؤسسات على التوازي.
والآن، وبعد أن شيّدت البنى التحتية لمسرحها الثقافي، تعكف دولة الإمارات العربية المتحدة على بناء الطاقات الإبداعية التي ستحدد صوتها الموسيقي لسنوات قادمة.

المدير العام للأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة