أحمد عاطف (القاهرة)

يعمل الفنان التشكيلي وائل الشافعي على منطقة متفرّدة داخل التجربة النحتية المعاصرة، إذ لا تبدو الكتلة في أعماله مجرد بناء بصري أو تمرين على التوازن والحجم، بل تتحول إلى مساحة مكثّفة لقراءة الإنسان من الداخل، بما يحمله من صفاء أول، وتوترات لاحقة، وانقسامات نفسية، وحنين إلى الجذور.
تحضر الأجساد في منحوتاته غالباً بلا ملامح تفصيلية، غير أن غياب الوجه لا يعني غياب الشخصية، بل يمنح العمل طاقة رمزية أوسع، كأن الفنان لا يقدم شخصاً بعينه، وإنما حالة إنسانية مفتوحة يستطيع كل متلقٍّ أن يرى فيها شيئاً من نفسه.
ويبني الفنان من خلال الأبيض والأسود عالماً قائماً على التضاد، لا بوصفه صراعاً جمالياً بين لونين، بل باعتباره تعبيراً عن صراع أعمق بين النقاء والتراكم، فالأبيض عنده يشير إلى الصفاء والشفافية، بينما لا يأتي الأسود بمعناه السلبي المباشر، بل كأثر لما يمر به الإنسان من ضغوط وخبرات وانكسارات.
وأوضح الشافعي أن العمل النحتي يبدأ لديه من محاولة تثبيت حالة إنسانية محددة، لكنه في الوقت نفسه لا يغلق باب التأويل أمام المتلقي، فهو يضع فكرته داخل الكتلة، ثم يترك للعين الأخرى أن تُضيف قراءتها، بما يجعل النحت مساحة حوار صامت بين الفنان والمشاهد. مشيراً إلى أن تلك الرؤية تظهر بوضوح في الأعمال التي تقوم على فكرة الانقسام الداخلي، فالفنان لا يتعامل مع شخصيتين منفصلتين، بل مع كائن واحد يتجاذبه أكثر من طرف، بين قبولٍ ورفض، وبين رغبةٍ في الصفاء واستسلام لتراكمات داكنة. وتلعب الأطراف، خصوصاً اليدين، دوراً أساسياً في هذا المعنى، إذ تتحول إلى لغة تكشف السكينة أو العجز أو الاحتجاج أو محاولة الانفصال.
وأفاد الشافعي بأن هناك تداخلات لونية بين الأحمر والأسود في بعض القطع، كعلامة على الحرارة الداخلية والانفعال، فهو ليس لوناً زخرفياً، بل أثر نفسي ناتج عن التصادم بين حالتين داخل الكائن الواحد، وومضة تشير إلى أن الصراع لم يَعُد فكرة كامنة، بل تحوّل إلى شرخ ظاهر في الكتلة.
وتأخذ الأمومة مساحة لافتة في تجربة الشافعي، ففي أحد أعماله، تظهر أمٌّ إلى جوار طفلتها، وقد اتخذ تجويف في جسد الأم هيئة القلب، بينما يظهر القلب واضحاً لدى الطفلة، وكأن الأم منحت جوهرها لابنتها، ويأتي الفراغ هنا كدليل عطاء، وصورة لانتقال الموروث والذاكرة من جيل إلى آخر.
ولا تنفصل هذه التجربة عن الخامة التي يراها الشافعي شريكاً في المعنى، حيث يفضّل الخامات الصلبة، وفي مقدمتها الجرانيت والرخام، لأن النحّات في تصوره لا يبني العمل بقدر ما يستخرجه من داخل الكتلة. كما يرتبط عالمه بالبيئة المصرية والريفية خصوصاً، حيث يرى في الطبيعة والبشر والعمل اليومي خزاناً بصرياً وإنسانياً يُغذي تجربته.