يحاول المؤرخون في أعمالهم التوثيقية التقاط روحَ العصر التي تنبجس من حقب ماضوية، رغم طيّ السنين ومرور عربات الزمن فوقها، فقد أغنت تلك الروح المشهد الإنساني بإرثٍ شفاهي يضاهي بحجمه وكميته الإرث المادي والمستمسك الأثري وبقاياه، وهذا مبدئياً أول تحديات التعاطي مع التاريخ، فكُتّاب التاريخ ومعهم المدوّنون له ومعهم كذلك المحققون الذين يعيدون إنتاج المخطوطات ورسومها ورموزها يحاولون على الدوام وضع مستندات التاريخ على طاولة المستقبل، حيث المستقبل ذاته سيغدو وبحكم فرضيات الزمن وشرطيته ماضياً أيضاً، إذ ما نمارسه لإدراك التاريخ هو ما نمارسه عمليا لتوقُّع المستقبل وصنعه أيضاً؛ لذا يرى البعض ويُفضّل استخدام مصطلح المستند التاريخي وليس الوثيقة التاريخية، فالوثيقة لا تحتاج إلا لمَن يحملها أو يُبرزها، وعندئذٍ لا يكون حاملها سوى ساعي بريد، في حين أن لفظة مستند تاريخي تعني أن ثمة خطاباً مسنوداً من التاريخي يجري تناوله والبحث فيه من جديد أملاً في صياغة حاضرٍ قائم أو مستقبل قريب، وعليه ستكون الوثائق التي يجري تدوينها شاهدةً على وعي قادم سيتم بناؤه قريباً، لذا فإن شأن الأرشيفات العالمية والمكتبات شأن عظيم له دور مهم ليس في صنع السرديات وحفظ الموروث وصيانته وحسب، بل وفي إنتاج وعي كامل وغير مُجتَزأ عند أصحاب التاريخ أو عند المهتمين به وعند أبنائه بشكل خاص، فذاكرة أي إنسان أو عصر أو بلاد هي وعي تاريخي صار عصيّاً على النسيان بعد أن أدرك معاصروه اختلاف الماضي عنهم، فبنوا مستقبلهم في الوقت الذي كنا نظن بأنهم كانوا يبنون الحاضر، وهنا فإن تأريخ أي سردية من سرديات التاريخ تعني أن نعي الأسباب لا أن نكتفي بنقلها، وأن تُحكَّم بقصد تبريرها الذي جعلها حاضرة وغير مفقودة إلى اليوم في مستندات التاريخ.
لماذا إذاً نُصرّ على القول بوعي التاريخ وليس بوثائقه؟ السبب يكمن في أن للتاريخ أصواتاً عديدة، لكل منها منظوره، ووجهة نظره، وحالته التي يرى أنها الأجدر بالخلود والبقاء، وهنا فإن نقلها دون وعي سيسبب لاحقاً زحاماً معطلاً يُضيع البوصلة ويجعل الحاضر مشتتاً دون هوية أو رمز يشير إليه، فالوعي بالتاريخ هو فهم متعدد ليس للأصوات، بل وللطبقات التاريخية ولنظامها المتشابك والمتعدد سياسياً واجتماعياً، فرواية ما وقع فعلاً، رواية إدراكية لا تسجّل ما تنقله ولا تُشعرنه، بل تعيد الفهم له وتصنعه في ذات الوقت.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية