محمد عبدالسميع 

تحتل المهرجانات الثقافية مكانة متقدمة في المشهد الثقافي الإماراتي، لما تؤديه من أدوار تتجاوز تنظيم الفعاليات والأنشطة الفنية والأدبية إلى الإسهام في تعزيز الهوية الوطنية وصون التراث الثقافي المادي وغير المادي، وقد استطاعت الإمارات بناء تجربة رائدة في هذا المجال، مستفيدةً من رؤية ثقافية تجمع بين المحافظة على الموروث والانفتاح على العالم، بما يعكس صورة الدولة بوصفها حاضنة للتنوع الثقافي والتواصل الحضاري.
وتُسهم المهرجانات في تقديم الثقافة الإماراتية إلى الجمهور المحلي والزوّار من مختلف دول العالم، من خلال ما تتيحه من فرص للتعرف إلى الفنون والحرف التقليدية والعادات والتقاليد والمنتج الإبداعي الإماراتي، كما ترتبط بدور متنامٍ في تنشيط السياحة الثقافية ودعم الصناعات الإبداعية، إلى جانب توفير منصات للحوار وتبادل الخبرات بين المثقفين والمبدعين والمهتمين بالشأن الثقافي، ويؤكد عدد من الكتّاب والمثقفين أن المهرجانات الثقافية في الدولة أصبحت إحدى الأدوات الفاعلة في ترسيخ الوعي بالتراث وتعزيز الحضور الثقافي للدولة، فضلاً عن إسهامها في دعم التنمية الثقافية والاقتصادية وبناء جسور التواصل بين الشعوب.

ترى الدكتورة عبير الحوسني أن الإمارات قدّمت نموذجاً يحتفي بالتراث والهوية، وجعل من المكان والموقع الأثري والثقافة المجتمعية عناصر أساسية في رؤيتها الثقافية، خصوصاً حين جمعت بين التراث والانفتاح في معادلة متوازنة نقطف ثمارها اليوم، من خلال الوعي بقيمة الحضور الثقافي للفنون والحرف اليدوية والمأكولات الشعبية وثقافة المجتمع بين الأمس واليوم، في أسلوب الحياة والتعبير الثقافي. 
وتؤكد الحوسني القيمة الكبيرة للمهرجانات الثقافية في الإمارات، وما عزّزته من ثقة لدى الضيف والمواطن والمقيم بالإرث الثقافي الكبير، وبمعنى التلاقي الإنساني في صياغة الإبداع، مشيرةً إلى اهتمام الضيوف العرب والأجانب بالتجربة الإماراتية في إدارة المتاحف والمهرجانات والملتقيات الأدبية والفنية والتراثية، بوصفها لقاءات سنوية أو دورية تشمل مختلف قطاعات المجتمع، بما يلبّي مختلف الأذواق ويؤكد مكانة الدولة إقليمياً وعالمياً، كما يعود هؤلاء الضيوف إلى بلدانهم بإعجاب كبير بأثر هذه المهرجانات وبالإبداع الإداري المصاحب لها، كما يتجلى في الندوات والورش والمعارض والزيارات السياحية التي تُقام في إطارها. وفي هذه الفعاليات تتوهج قيمة العنصر التراثي التقليدي ومظاهر التعبير الثقافي المادي وغير المادي، من قصص وحكايات وأناشيد وأغانٍ تعكس ثراء البيئات الإماراتية وتنوعها الثقافي والتراثي. ويتعزّز ذلك بأهمية المشاركة العربية والعالمية في المهرجانات الإماراتية التي باتت مقصداً للمثقفين العرب والمهتمين بتنوع حقولها ومجالاتها. 

قوة ناعمة 
وتنطلق الكاتبة الدكتورة مريم الهاشمي من مفهوم القوة الثقافية الناعمة للمهرجانات الثقافية، مؤكدةً ما يحمله هذا المفهوم من حضور للثقافة الوطنية وتركيبتها المجتمعية، حيث يبرز تاريخ الإمارات وتراثها وانفتاحها، وقدرتها على فتح نوافذ الثقافة والتراث أمام الأجيال، وتعريفها بما رسّخه الروّاد والأجداد، بالإضافة إلى قيمة الوفاء لهذا التراث من خلال المهرجانات التي تقيمها الدولة في قطاعات الفنون والآداب والمعارف والملتقيات، وغيرها من المجالات، يبرز أيضاً نجاح الدولة في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية، وتحقيق نسب مهمة فيه، باعتبار هذه الصناعات رافداً من روافد التنمية الاقتصادية، وفي الوقت نفسه تُشكّل عامل جذب للزوّار والضيوف والمشاركين. ومن هنا، تكون الهوية الوطنية حاضرةً بوصفها مجموعة من الخصائص الثقافية التي تستمر عبر الأجيال.
كما تتأكد قيمة المهرجانات الثقافية في الإمارات من خلال هذه اللقاءات الإنسانية الواثقة بالمشروع الثقافي والهوية الوطنية للدولة، بوصفها دولةً مضيفةً لهذه المجاميع والنقاشات والأفكار والورش والزيارات، وما يلتقطه الزوّار أنفسهم من هذه المهرجانات والتظاهرات الثقافية، خصوصاً حين تبرز الفنون والإبداعات التراثية جنباً إلى جنب مع أفكار الشباب في المسرح والشعر والسينما والفنون التشكيلية والموسيقية وفنون السّرد في القصة والرواية.

وعي الشباب 
ويؤكد الكاتب الدكتور أسعد عبدالرحمن أهمية المهرجانات الثقافية في ترسيخ الثقافة الوطنية وتعزيز حضورها في وعي الشباب، لما تحمله من قيم وطنية وإنسانية تنتقل بصورة طبيعية بين المجتمع، كما تسهم في تكوين صورة إيجابية تحملها الوفود والضيوف والمشاركون إلى مجتمعاتهم، مشيراً إلى أن المهرجانات الثقافية تُمثّل منصات معرفية توفر فرصاً واسعة لعرض منجزات الأدب والفنون والتراث.
وأضاف أن العالم يتجه حالياً إلى إحياء التراث والعناية بمكوناته، وتأكيد حضوره على الساحة الدولية، وتوعية الأجيال بأهميته والعمل على حمايته من الاندثار، ومن هنا تبرز القيمة الكبيرة للتبادل الثقافي بين الأمم والشعوب عبر المهرجانات المتنوعة، بما تحمله من برامج وفعاليات وتجارب ثرية، وما تتيحه من فرص للحوار والتفاعل وتبادل الخبرات والمعارف، كما تتجسد أهمية المهرجانات في دعم الفنانين والمثقفين، من خلال توفير منصات مباشرة لعرض إبداعاتهم والتواصل مع جمهورهم، بما يسهم في تعزيز التعارف الثقافي والتقارب الإنساني، ويحفّز في الوقت ذاته حركة ثقافية واقتصادية نشطة تنعكس آثارها إيجابًا على المجتمع. 

حاملة للأصالة 

تقول الكاتبة موزة عوض: «إن المهرجانات الثقافية صانعة للحياة وحاملة للأصالة التي تظل راسخة في الوجدان، بسبب دورها الهام في صون الذاكرة الجمعية وتعزيز الارتباط بالهوية الثقافية، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تسارع في مظاهر الحداثة والتطور الإلكتروني والرقمي»، مشيرة إلى تزايد الحاجة إلى إقامة فعاليات ومهرجانات تراثية وثقافية تُعيد الإنسان إلى جذوره الثقافية، وترسّخ القيم الأصيلة في نفوس الأجيال، في حين تُمثّل السياحة الثقافية ضرورةً لجميع الفئات العمرية، خاصة أن السياحة بشكل عام رافد مهم للاقتصاد المحلي، لا سيما عندما يتجلى المكان في أبهى صوره من خلال سرده المتحفي واستحضاره للمحطات المضيئة في تاريخ الإمارات.
وتؤكد عوض أن الإدارة الإماراتية للمهرجانات الثقافية والتراثية قدّمت نموذجاً رائداً ومتميزاً، تجاوز مفهوم العرض التقليدي إلى صناعة تجربة إنسانية وثقافية ثرية تخلق تفاعلاً حياً بين الزائر أو المشارك والمكان. وتنبع هذه التجربة من الطاقة الإيجابية في فعاليات المهرجانات، ومن خصوصية المكان الإماراتي الذي يحمل أبعاداً ثقافية وسياحية وتراثية، ليصبح فضاءً نابضاً بالحياة، يحتضن فعاليات متنوعة في مختلف الحقول والمجالات. 

دور ريادي 

يرى الكاتب عمران الشامسي أن تاريخ الإمارات وخريطتها السياحية يحملان بُعداً ثقافياً بارزاً، وهو ما يعكس تفكيراً واعياً ومسؤولاً، خاصة في ظل أهمية الثقافة ودورها الريادي في التعريف بهوية الدولة وموروثها الحضاري. ويظهر ذلك من خلال المتاحف والمواقع التراثية، وما تزخر به الإمارات من تراث ثقافي مادي وغير مادي، حيث تتكامل هذه العناصر في مهرجان أو معرض متحفي يليق بمكانة الدولة واحتفائها بأصالتها، مما يمنح الأجيال مزيداً من الدافعية والأمل. 
ويؤكد الشامسي أن الإسهام في تنشيط الحراك الثقافي والفني من أبرز فوائد المهرجانات الثقافية، سواء عبر المهرجانات أو المعارض التشكيلية أو العروض المتحفية، كما تتيح فرصاً قيّمة لتبادل الخبرات والمعارف، وتتيح هذه الفعاليات الوصول إلى توصيات تدعو إلى العناية بالموروث الثقافي وتوفير الدعم اللازم في إطار مفهوم الاستدامة، وعندما تلتقي الأصالة بالحداثة والمعاصرة، يُصبح التفاعل الثقافي والفني والأدبي رؤية استراتيجية يحرص الجميع على ترسيخها، بما يسهم في جني ثمار التجربة الإماراتية الرائدة في صون التراث وحمايته واستثماره، وتعزيزه لدى الأجيال.