أبوظبي (الاتحاد)

من المهم أن نعمل في هذا العصر الرقمي على أنسنة الآلة ما أمكن، والانتصار للإنسان الذي صنع هذه الآلة وصمم خوارزمياتها وبياناتها، ووضع لها نمطاً معيّناً، وبقي في الآن ذاته يحتفظ بخاصية التفكير والشعور، حتى وإنْ صنع في إطار هذه الثورة الرقمية نظاماً مذهلاً يحاكي ميزة التفكير لدى الإنسان.

يستعرض كتاب «الذكاء الاصطناعي: واقعه ومستقبله»، من تأليف «آلان بونيه»، وترجمة علي صبري فرغلي، بفهم هادئ وموضوعي السباق الجاري بين الحلم العلمي والقلق الثقافي، باعتبار الذكاء الاصطناعي ليس ذكاءً بالمعنى الإنساني، بل مجموعة تقنيات قادرة على معالجة المعلومات وفق خوارزميات محددة. ويضعنا المؤلف في هذا الكتاب أمام مراحل التطور في النظم الخبيرة، والتعلم الآلي، والشبكات العصبية، وبالمقابل معنى أن نصنع نسخةً من قدرتنا على الفهم، خاصةً أنّ الذكاء الاصطناعي وُلد من رغبة الإنسان في فهم آليات تفكيره عبر محاكاتها.
ويطرح المؤلف أسئلة حول مدى نجاح هذه المحاكاة، وإمكانية التمييز بين الأصل والصورة، مستعرضاً من منظور ثقافي وإبداعي قضايا اللغة الطبيعية والترجمة الآلية والأنظمة القادرة على تحليل النصوص وتوليدها. ويبيّن كيف أصبحت البرامج الحديثة قادرة على إنتاج نصوص تبدو ذات معنى من خلال تحليل كميات هائلة من البيانات اللغوية. ويناقش الكتاب فكرة اللغة كمادة قابلة للتوليد الخوارزمي، متسائلاً: ما الذي يتبقى من خصوصية التجربة الإنسانية في ظل هذا التطور؟ ويؤكد، بمنهج عقلاني، أن الذكاء الاصطناعي لا يفهم النصوص كما يفهمها الإنسان، بل يعالجها كأنماط إحصائية، فنجاح هذه الأنظمة لا يعني امتلاكها وعياً، وإنما يعكس قدرتها العالية على استغلال البنى الإحصائية، ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الإبداع البشري والإبداع الآلي.
من ناحيةٍ أخرى، يتناول الكتاب إمكانيات الذكاء الاصطناعي في الموسيقى والرسم والكتابة، وقدرته توليد أعمال جديدة انطلاقاً من أعمال سابقة، مؤكداً شعورنا بالإبداع الأدبي الإنساني وإحساسنا بالفقد ووعينا بالزمن، في حين تولّد الخوارزميات استعارةً أدبية، دون إحساس أو إدراك المعنى الحقيقي وراء هذه الاستعارة الأدبية.