بات واضحاً أن فلسفة التعليم وطُرقها واستراتيجياتها وكذا خططها بحاجة إلى مراجعة وإعادة تصوّر، ليشمل ذلك أيضاً شكل آليّة التعليم نفسها، والتي يتم اليوم إعادة صوغها وتفكيكها من جديد، فنحن بحاجة مبدئياً لأن نعيد رسم العلاقة القائمة بين السّبورة والمعلّم والطالب، وكذا العلاقة القائمة بين القلم أو اللوح الرقمي وعقل الطالب من جهة، وذاكرته من جهةٍ أخرى، وتأتي هذه المراجعة الملحّة بعد جلاء فكرة مستحدثة، مفادها أن التعليم صار مرتبطاً تماماً بمكنونات الطالب وقدراته وبما يُجيده ويرغبه، لا بما يُفرض عليه تعلُّمه وإتقانه، فنحن في القاعة الصفية اليوم قد نُقيّم الطالب في مساقات دراسية تقييما يُظهر براعة الطالب الجامعي أو المدرسي وجدته وذكاءه في مساقات محدّدة ومُلزمة، وهنا يظهر التباين بين مساقٍ وآخر، فدرجات الطلبة وفق أساليب التقييم متفاوتة بطبيعتها، فقد يُظهر الطالب نباهة في مساق ما، رغم عدم وضوح مدى مذاكرته ومتابعته الأكاديمية، والسبب يكمن في أن للطالب شغفه ورغبته فيما يتعلمه وفي ما يريد أن يُتقنه فعلاً، لا بما تُلزمه به الخطط الدراسية والتوصيفات وقوانين التعليم المعروفة، وهنا فإن أول تحوّل نحو اكتشاف رغبة الطالب، تكمن في اكتشاف ما يتقنه، لا في تقييمه وإلزامه في مواد دراسية ربما لا يريد أن يبدع فيها، فقط تم التحول مؤخراً نحو التعليم بالمشاريع، وتكنيك بيدغوجي قوامه زيادة مساحة تلقِّي الطالب وترك المسافة الكافية له للتبصّر والتجريب والتأمل، بدلاً من فرض الواقع الدراسي عليه وإلزامه بالتعاطي مع أفكار لم يستوعبها بحرية وتماسٍّ حسيٍّ مباشر يجعل منظوره الفلسفي مشتغلاً ووعيه يقظاً.
فلسفة التعليم اليوم حاولت قلب مثلث التعليم، فقد سمعنا وجرّبنا قبلاً استراتيجيات تدريسية حديثة، منها الصف المقلوب، والتعليم بالحوار، استراتيجيات التفكير الناقد...، وجلُّها طُرق تدريسية واستراتيجيات هدفها الأول دفع الطالب نحو منطقة الفعل، لا الاستقبال والاستهلاك لما يُقدَّم له، سواء في الغرفة الصفية أم في المنهاج التعليمي.
فاليوم وبسبب تحوّلٍ حاصل في البنية الاجتماعية وتأثُّرها بعوامل رقمية واقتصادية، تحوّل دور المُعلّم بعض الشيء نحو الإرشاد والتوجيه، بدلاً من الغرس والإيعاز، إذ المعرفة اليوم ليست في جعبة المعلّم أو الأستاذ أو في مقرره التعليمي، فقد أصبحت محفوظة تُستجلب رقمياً في أي لحظة، لكن ما الذي يحفظ للمعلّم مكانته وأهميته حتى مع تغير تلك العلاقة بينه وبين الطالب، والجواب يكمن في أن المعرفة الحقيقية هي ما يُطبَّق ويُستثمر، لا ما يُحفظ ويُقدَّم، فنحن نعتزّ بأساتذتنا لأنهم أناروا الطريق وزرعوا حبّ المعرفة والعلم وأحسنوا توجيهنا، لا بما جعلونا نحفظه، فالحفظ ما لم يقترن بالوعي والفهم سيُنسى بلا شك.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية