محمد عبدالسميع

بإعلان دولة الإمارات العربية المتحدة ضيفَ شرفٍ على معرض بكين الدولي للكتاب، يتجلّى عُمق العلاقات الثقافية بين الإمارات والصين، حاملةً معها المشتركات الإنسانية والقيم الحضارية التي تجمع البلدين الصديقين، وتعكس احترامهما للثقافة بوصفها قوةً ناعمة تسهم في بناء جسور التواصل، وتعزيز النظرة المتفائلة نحو عالم تزدهر فيه الثقافات والأفكار.
فالرؤى القيّمة والثقافات المتنوعة تتجسّد عبر صفحات الكتب، والأفلام الوثائقية، والأعمال المسرحية، والمعزوفات الموسيقية التراثية، واللوحات التشكيلية، والشِّعر، والخط العربي، والقصة والرواية، وكل ذلك يشهد ازدهاراً متسارعاً في إطار التعاون الثقافي بين دولتين تجمعهما أواصر صداقة راسخة، وتقارب في الرؤى الإيجابية التي تجعل من الفن والأدب والمعرفة جسوراً نحو مستقبل أكثر إشراقاً.

ويمثِّل اختيار دولة الإمارات ضيفَ شرفٍ في معرض بكين الدولي للكتاب تكريماً كبيراً، يعكس رؤية مشتركة لتعزيز التبادل الثقافي، وترسيخ قيم الحوار والانفتاح والتفاهم بين الشعبين الصديقين، كما يعبِّر عن إيمان البلدين بأهمية الثقافة في تعزيز العلاقات الثنائية، ويفتح المجال أمام مناسبات وفعاليات عديدة، تُجسِّد روح الشراكة والانسجام.

حضور متنامٍ 
ويُمثّل هذا الإعلان تأكيداً على الحضور الثقافي الإماراتي المتنامي عالمياً، وإبرازاً للفرص المعرفية التي يمكن أن تنبثق عن هذه المناسبة، خاصة أن العلاقات الثقافية بين البلدين تستند إلى أرضية متينة من التفاهم والتعاون في مجالات التراث والفنون واللغة والتعليم، فقد أصبحت اللغة الصينية جزءاً من المناهج التعليمية في الإمارات، في حين تحظى اللغة العربية بحضور متزايد في الجامعات الصينية، إلى جانب الاهتمام الدبلوماسي المتبادل الذي يولي الثقافة أهمية كبيرة.
ويأتي اختيار الإمارات ضيف شرف لمعرض بكين الدولي للكتاب، استناداً إلى ما تمتلكه من مقوّمات ثقافية ومعرفية جعلتها جديرة بهذا اللقب، فقد رسّخت الدولة مكانتها في صناعة الكتاب والنشر من خلال تظاهرتين ثقافيتين بارزتين، هما معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، اللذان أسهما في تعزيز حضور الثقافة الإماراتية عالمياً، وترسيخ صورتها الإيجابية في مختلف المحافل الدولية. 

الجناح الوطني 
وتأتي المشاركة الإماراتية تحت مظلة «البيت الإماراتي»، وهو جناح وطني متكامل يجمع أكثر من 120 مشاركاً يمثِّلون أكثر من 20 جهة اتحادية ومحلية ومؤسّسة ثقافية وإبداعية وأكاديمية، ويقدِّم صورة شاملة عن المشهد الثقافي الإماراتي، بما يحمله من تنوع وتكامل بين المؤسسات الرسمية والقطاع الثقافي والإبداعي، وبما يعكس تطور الصناعات الثقافية والمعرفية. 
ويضم «البيت الإماراتي» مؤسسات ثقافية بارزة، من بينها مركز أبوظبي للغة العربية، وهيئة الشارقة للكتاب، وجمعية الناشرين الإماراتيين، والأرشيف والمكتبة الوطنية، وجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، إلى جانب عدد من المؤسسات الثقافية التي تُمثِّل روافد المشهد الثقافي الإماراتي.

رؤية مشتركة 
ويتضمن البرنامج الثقافي الإماراتي في معرض بكين الدولي للكتاب أكثر من 20 جلسة حوارية وندوة فكرية وفعالية ثقافية. وتناقش الفعاليات مستقبل العلاقات الثقافية، والصناعات الثقافية والإبداعية، والنشر والملكية الفكرية، والترجمة، وأدب الطفل، ومستقبل النشر الرقمي، ودور الذكاء الاصطناعي في الإبداع وصناعة المعرفة. 
ومن أبرز جلسات البرنامج، تلك التي تتناول مستقبل العلاقات الثقافية بين الإمارات والصين، إضافة إلى جلسة «من طريق الحرير إلى الذكاء الاصطناعي»، التي ترصد تطور العلاقات الحضارية بين البلدين من الماضي إلى المستقبل، وجلسات أخرى تناقش التراث الثقافي بوصفه جسراً للتواصل الحضاري، والهوية الثقافية، وأدب الرحلات.
وتمنح هذه المناسبة الإمارات مساحة أوسع للتعريف بمنجزها الثقافي والإبداعي، عبر مؤسساتها الإعلامية والثقافية وسفارتها في بكين، إضافة إلى المشاركة الحكومية والمؤسسية الواسعة في فعاليات المعرض، كما ستتيح فرصاً كبيرة للتبادل الثقافي من خلال الندوات والمهرجانات والأسابيع الثقافية والمعارض المتخصصة. 

مؤسسات ثقافية 
كما تُمثِّل هذه المناسبة فرصة مهمة للمؤسسات الثقافية الإماراتية لتوسيع حضورها الدولي وتعزيز شراكاتها، ومن أبرز هذه المؤسسات مركز أبوظبي للغة العربية، وهيئة الشارقة للكتاب، وجمعية الناشرين الإماراتيين، إضافة إلى المؤسسات الإعلامية والأرشيفية والثقافية الأخرى التي تسهم في دعم صناعة المعرفة والإبداع.
وتُولي الإمارات اهتماماً كبيراً بالابتكار والصناعات الثقافية والإبداعية، إلى جانب مواكبة التطورات المتسارعة في مجالات النشر الرقمي والذكاء الاصطناعي. 

أسس راسخة 

وعند النظر إلى العلاقات الثقافية الإماراتية الصينية، نجدها تستند إلى أُسس راسخة، من أبرزها حضور معهد كونفوشيوس في الإمارات، وإدراج اللغة الصينية ضمن المناهج الدراسية الإماراتية، فضلاً عن الأنشطة التي ينظّمها المركز الثقافي الصيني في الإمارات لتعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين الشعبين.
وشهدت السنوات الماضية تعاوناً واسعاً بين الإمارات والصين في المجالات الثقافية والفنية والأكاديمية والإعلامية، إضافة إلى تزايد أعداد الطلبة الإماراتيين الدارسين في الجامعات الصينية، ومشاركة الصين الفاعلة في إكسبو 2020 دبي.
وعند الحديث عن التعاون الثقافي بين البلدين، لا يمكن إغفال الامتداد التاريخي للعلاقات العربية الصينية عبر طريق الحرير، الذي شكّل جسراً للتبادل التجاري والثقافي والحضاري بين الشعوب. وقد وقَّعت الإمارات والصين العديد من اتفاقيات التعاون الثقافي والإعلامي، وشهد عام 2019 إطلاق مشروع تدريس اللغة الصينية في 200 مدرسة إماراتية، في خطوة تعكس عمق الشراكة التعليمية والثقافية بين البلدين.
كما تحظى الفعاليات الثقافية الصينية في الإمارات، مثل مهرجان الربيع الصيني، بإقبال واسع من الجمهور، لما تتضمنه من عروض فنية وفلكلورية وموسيقية مميزة، في حين تشارك الصين بانتظام في فعاليات التراث والثقافة الإماراتية، ومنها أيام الشارقة التراثية، بما يعكس روح التبادل الثقافي والحضاري بين الجانبين.
وفي إطار تعزيز التعاون الثقافي، وقَّع مهرجان أبوظبي مذكرة تفاهم مع مهرجان شنغهاي الدولي للفنون، بما يعزِّز الشراكة الاستراتيجية في المجالات الفنية والثقافية.

دبلوماسية ثقافية

ومن هنا، فإن مشاركة الإمارات ضيفَ شرفٍ في معرض بكين الدولي للكتاب لا تُمثِّل مجرد حضور احتفالي، بل تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على الحوار الحضاري والتبادل المعرفي وتعزيز الشراكات الثقافية، كما تفتح آفاقاً جديدة للترجمة، وتبادل الفنون، وتعليم اللغات، والبعثات الأكاديمية، بما يؤكد أن الثقافة ستظل جسراً راسخاً للتواصل بين البلدين، وثمرةً حقيقيةً للدبلوماسية الثقافية والرؤى المشتركة لقيادتي الإمارات والصين نحو مستقبل أكثر ازدهاراً وتعاوناً.