علي عبد الرحمن (القاهرة)
في المسار الممتد للفلسفة الألمانية الحديثة منذ أواخر القرن الثامن عشر، لا يظهر العنف بوصفه واقعة عارضة داخل التاريخ، بل بوصفه شرطاً سابقاً على إمكان التفكير ذاته، لا كموضوع يُفكَّر فيه، بل كأفق يتحدد داخله كل تفكير، فهو ليس ما يطرأ على العالم، بل ما يجعل ظهوره في الوعي ممكناً، وكأن الوجود لا يُعطى في صفائه، بل في توترٍ أصيل يسبق كل معنى.
ومن ثم لا يعود العنف خارج بنية المفاهيم، بل يتكشف كعنصر يشتغل داخلها: في تشكل المعنى، وفي انبثاق التاريخ، وفي انقسام الذات على نفسها، فالعقل في هذا الأفق لا يحضر بوصفه وحدة متصالحة، بل كبنية مشدودة إلى اختلافها الداخلي، حيث لا يتحقق الانسجام إلا كأثرٍ مؤقت لتوتر أعمق بين الرغبة والانفصال والعدم.
ومع التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل أوروبا منذ أواخر القرن الثامن عشر، لم تعد الفلسفة الألمانية تنظر إلى الإنسان بوصفه جوهراً مكتملاً، بل بوصفه تركيباً وجودياً يتعين عبر الانقسام. فالذات لا تُعطى جاهزة، بل تتكوّن في المسافة بين ما هو وما ينبغي أن يكون، وتتعرف إلى ذاتها عبر ما ينفيها بقدر ما يؤسسها، ليغدو ما يبدو فوضى في سطح التجربة انتظامًا خفيًا في العمق، انتظامًا لا يقوم على الثبات بل على التصدع.
ومن هذا المنظور لا يبدو هذا المسار تراكمًا لمقولات متجاورة، بل حركة فكرية تُعيد مساءلة الإنسان في جذره: من كائن مفترض في الحقيقة إلى كائن يُنتجها، ومن ذات تستقر في الهوية إلى ذات لا تكتمل إلا في انفتاحها الدائم على انقسامها الداخلي.
آرثر شوبنهاور
في أفقٍ أوروبي كان يرسّخ العقل والتقدم بوصفهما أساس العالم، جاء آرثر شوبنهاور (1788–1860) كقطيعة جذرية، لا عبر نقد العقل فقط، بل عبر إزاحة مركزه لصالح مبدأ أعمق يسميه «الإرادة»، وتلك الإرادة لا تنتمي إلى مجال الوعي أو الاختيار، ولا تُختزل في قصد أو تمثّل ذهني، إنها طبقة أسبق من الوعي نفسه، تعمل قبل أن تتمكن اللغة من الإمساك بها، كما أنها ليست قوة تسعى إلى غاية، بل اندفاع مستمر لا يجد مبرره إلا في استمراره.
ومن هنا يتبدّل معنى العنف: فهو ليس فعلًا يصدر عن ذات، بل أثر لبنية أعمق من الذات، وليس حدثًا داخل العالم، بل ما يجعل العالم نفسه في حالة توتر دائم، حيث لا يستقر الوجود على شكل نهائي، كما لا تُفهم الرغبة كنقص طارئ، بل كطريقة في الوجود لا تكتمل، فالكائن لا يفتقد شيئًا خارجيًا، بل يعيش داخل بنية لا تسمح بالاكتمال أصلًا.
وبالتالي، لا يكون الألم نتيجة اصطدام بالعالم، بل نتيجة طبيعة هذا العالم ذاته، حيث كل تحقق يفتح توترًا جديدًا بدل أن يغلقه، لتظهر الإرادة كبنية ميتافيزيقية لاواعية، لا تعمل وفق غاية، بل وفق استمرار دائم للحركة. ليست ما يفسر الحياة، بل ما يجعلها تتكرر من دون اكتمال، وفي هذا الأفق، لا يعود العنف حادثًا، بل شرطًا صامتًا لظهور الوجود نفسه: توترًا داخليًا يجعل العالم قابلًا لأن يُعاش، لا لأن يُحسم.
جورج هيغل
مع جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770–1831)، ينتقل العنف من مستوى الوجود إلى مستوى التاريخ بوصفه فضاءً يتكوّن فيه الوعي، غير أن هذا الانتقال لا يخفف حدّته، بل يعيد صياغته داخل بنية أكثر تركيبًا، حيث يغدو العنف شرطًا داخليًا لإمكان المعرفة نفسها.
في «فينومينولوجيا الروح»، لا يظهر الوعي في حالة صفاء أو بداهة، بل في لحظة صدمة للذات لا تتعرف إلى نفسها إلا عبر اصطدامها بآخر يضع وجودها موضع تهديد، وفي هذا التهديد تنكشف حقيقة أساسية: أن الهوية ليست معطى ثابتاً، بل نتيجة علاقة صراع، ولتأتي جدلية التبعية لا بوصفها علاقة اجتماعية فحسب، بل كبنية وجودية لتشكل الذات عبر الخوف والمخاطرة، فالوعي لا يتكون في لحظة أمان، بل في لحظة يُدفع فيها إلى مواجهة احتمال الفقد أو الموت، حيث يُعاد تعريف الذات داخل توتر الاعتراف والقوة.
الاعتراف في هذا السياق لا يُمنح، بل يُنتزع داخل مواجهة تُخضع الهوية لاختبار دائم، بينما لا تُبنى الذات إلا عبر هذا التوتر الذي يربطها بالآخر بقدر ما يهددها به، وبهذا المعنى، لا يكون العنف عند هيغل خللاً في حركة التاريخ، بل آلية اشتغاله الداخلية. فالتاريخ لا يتقدم في خط مستقيم، بل عبر تناقضات لا تُحلّ، بل تُنقل إلى مستويات أعلى من التعقيد، حيث يعيد كل انكسار تشكيل شروط الفهم نفسه، كما يمكن قراءة هذا المسار بوصفه شكلًا من «النمو عبر الصدمة»، حيث لا يتطور الوعي تدريجيًا، بل يتكون عبر انقطاعات تعيد بناء بنيته في كل مرة، وكأن الذات لا تدرك نفسها إلا حين تُجبر على إعادة تأسيسها من داخل الانهيار.
كارل ماركس
مع كارل ماركس (1818–1883)، ينزل العنف من مستوى الفكرة المجردة إلى مستوى المادة والتاريخ الملموس، من دون أن يفقد عمقه النفسي أو بنيته الخفية، بل على العكس، يصبح أكثر التصاقًا بتجربة الإنسان اليومية داخل العالم الصناعي الحديث.
في هذا العالم، لا يظهر العنف في صورة قمع مباشر فقط، بل كبنية اقتصادية تعمل في العمق على إعادة تشكيل الوعي ذاته، فالإنسان لا يُفصل عن إنتاجه فحسب، بل يُعاد تشكيل علاقته بذاته عبر سلسلة من الانفصالات المتراكمة: بين الفعل ومعناه، بين الجهد ونتيجته، وبين الحياة وتجربتها الداخلية المباشرة.
وهذا ما يسميه ماركس «الاغتراب»، غير أن قراءته يمكن أن تمتد نفسياً بوصفه نمطاً من الانفصال الوجودي الذي يجعل الذات غريبة عن ذاتها، وكأنها تعيش حياتها بوصفها شيئًا يحدث لها لا شيئًا يصدر عنها، كما لا يظهر العنف كحدث مفاجئ أو صدام خارجي، بل كحالة مستمرة من التآكل البطيء، حيث ينقسم الإنسان داخل تجربته بين جسده ومعناه، وبين عمله وإحساسه بالانتماء إليه، وبين وجوده وإدراكه لهذا الوجود.
ليتخذ الصراع الطبقي بعدًا أعمق من كونه حركة سياسية أو اقتصادية، إذ يتحول إلى تكثيف لهذا الانقسام حين يبلغ حدًا تصبح معه الاستمرارية داخل البنية نفسها مستحيلة، وعند هذه النقطة، لا يبدو التاريخ حركة نحو الحرية كفكرة مثالية، بل انفجارًا ناتجًا عن تراكم التناقضات داخل نسقه الداخلي، حيث لا يعود ممكنًا احتواء الانقسام من دون إعادة تشكيل جذري للبنية كلها.
فريدريك نيتشه
مع فريدريك نيتشه (1844–1900)، يبلغ العنف لحظة انكشافه القصوى، حيث لا يعود مرتبطًا بالفعل أو البنية فقط، بل بانهيار المعنى نفسه بوصفه أفقًا منظمًا للتجربة، وإعلان «موت الإله» لا يُفهم كحدث لاهوتي أو تحول ديني، بل كزلزال داخلي في بنية الوعي الغربي، إذ يُزال المركز الأعلى للقيم، وينفتح الإنسان على فراغ وجودي لا يمكن تحمله إلا بمحاولة إنتاج بدائل داخلية تعيد ترتيب هذا الانكشاف.
في هذا السياق تظهر «إرادة القوة» لا بوصفها رغبة في السيطرة، بل كاستجابة نفسية وجودية لاهتزاز المرجعيات التي كانت تمنح الحياة شكلها واتجاهها، كما إنها محاولة لإعادة تنظيم الفوضى التي خلّفها انهيار المعايير، لا عبر استعادتها، بل عبر خلق مبدأ جديد للتشكّل، غير أن هذه الاستجابة لا تستقر على صورة نظام جديد، بل تفتح الوجود على حالة إعادة تشكيل دائمة للذات، حيث لا يعود الإنسان كيانًا مكتملًا، بل مشروعًا مفتوحًا يتكوّن عبر التفكيك المستمر وإعادة التركيب.
وفي هذا الأفق، لا يكون العنف فعلًا خارجيًا، بل يتحول إلى آلية داخلية لإعادة إنتاج الذات، حيث يُمارس التفكيك على البنى القديمة للشخصية من أجل إتاحة إمكانات جديدة للوجود، مع بقاء احتمال الانزلاق قائمًا نحو انهيار لا يقود إلى تجاوز بل إلى تفكك دائم، لتغدو الحرية تجربة وجودية مشوبة بالخطر، لا تُمنح بوصفها حالة مستقرة، بل تُنتج داخل مواجهة مستمرة مع العدم، حيث يصبح كل تجاوز للمعنى اختبارًا لحدود القدرة على تحمل غيابه.
مارتن هايدغر
مع مارتن هايدغر (1889–1976)، يتخذ العنف صيغة أكثر خفاءً وتجريدًا، إذ لا يعود مرتبطًا بالفعل أو الصراع أو التاريخ، بل بانكشاف الوجود نفسه في حضوره الأكثر هشاشة أمام الإنسان، وفي «الوجود والزمان»، لا يظهر الإنسان بوصفه ذاتًا مستقرة أو مكتفية، بل كينونة «مُلقاة» في عالم لم تختر شروطه، ومُحاطة دائمًا بإحساس مؤجل بحقيقة وجودها المحدود، ذلك الانكشاف لا ينتج معرفة بالمعنى التقليدي، بل يفتح أفقًا من القلق الجذري الذي يزعزع كل أشكال الطمأنينة الداخلية.
غير أن القلق هنا لا يُفهم كحالة نفسية عابرة، بل كبنية ontological تكشف أن الإنسان يعيش في تماس دائم مع العدم، وأن ما يبدو استقرارًا ليس سوى تعليق مؤقت لمواجهة لا يمكن تجاوزها، لذلك لا يكون العنف فعلًا يُمارس على الذات من الخارج، بل نمطًا لانكشاف الذات على حدودها الداخلية، حيث يتحول الوجود ذاته إلى ما يشبه ضغطًا صامتًا يدفع الإنسان إلى إدراك فناءه بوصفه جزءًا من بنيته لا حادثًا طارئاً عليه.
ومن منظور نفسي، يمكن النظر إلى هذا القلق بوصفه خلفية دائمة للتجربة الإنسانية، إذ لا يعيش الإنسان داخل معنى مكتمل أو ثابت، بل داخل أفق مفتوح على احتمال انهياره في أي لحظة، بما يجعل الاستقرار حالة مؤقتة داخل توتر أعمق لا يزول.
خيط خفي
عند إعادة قراءة هذا المسار، لا يظهر العنف كموضوع متغير بين الفلاسفة، بل كبنية واحدة تتبدل أشكالها من دون أن تتغير وظيفتها: إنتاج الوعي عبر التوتر، عند شوبنهاور هو إرادة عمياء تولّد الألم كخاصية للوجود، وعند هيغل يصبح صراعًا ينتج الوعي من الانكسار، وعند ماركس اغترابًا يعيد تشكيل الذات عبر الانفصال، وعند نيتشه انهيارًا للقيم يفتح الفوضى أمام إعادة خلق الذات، ثم عند هايدغر قلقًا يكشف هشاشة الكينونة من الداخل.
لكن ما يجمع هذه التحولات ليس اختلافها بقدر ما هو منطقها العميق: أن الوعي لا يولد في حالة انسجام، بل في قلب التوتر، وأن الفوضى ليست نقيض المعنى بل شرط ظهوره، ولا يعود العنف حدثًا عابرًا، بل طريقة يفكر بها الوجود عبر الإنسان، حيث لا يُمنح المعنى جاهزًا، بل يُنتزع من داخل الانقسام ذاته، ومن قلب ما يبدو فوضى، لكنه في عمقه الشكل الأكثر كثافة لتكوّن الوعي.