تقول كتب التاريخ، إن الحكواتي نشأ في بلاد الشام، وإنه كان يتمتع بمكانة مركزية في مجتمعه ومحيطه الإنساني، مكانة جعلته في صدر المجلس وفي صدر الحديث المشتعل على نار المجلس وبحضور قهوته ومقاعده وضيوفه، غير أن الحكواتي في مجالس كثيرة لم يكن مهنة بقدر ما هو صاحب ذاكرة مكانية وقدرة على تلوين الخطاب الجاري مهما كان مكرراً، إذ لا يمكن فصل الحكاية عن وظيفتها التوجيهية والتلميحية قبل الإمتاعية، فالحكواتي يستنهض الذاكرة الجمعية، غارفاً من معينها، وهو ما جعله حارساً للذخيرة الشعبية التي جعلت منه أيضاً مثقفاً وعارفاً قبل أن يكون صاحب مهارة يملك فنون إدارة الحديث، ليحبّه بعد ذاك الصّغار قبل الكبار، وذلك لقاء خبرته وترحاله ومشاهداته ولسانه، فهو يحمل دائماً أرشيفاً من الثقافة الشعبية بشخوصها وأمكنتها وأحداثها، والحكواتي هذا تفعيل لمصطلح الناثر الأدبي الذي ارتبط اسمه بالليل حين كان الشعر للصباح والسلطة والبلاط، حيث قرب الحكواتي من السامعين جعله أكثر تأثيراً وإقناعاً بسبب شفاهيته ومُلحته وذكائه في إشعار سامعيه بأنه منهم دون سلطة عليهم، لكن من الذي فعل فعلته وجل الحكواتي صاحب حديث بلا براهين أو إنجاز، وهذا سؤال مؤجل، فليس هنا الوقت الكافي ولا السياق المناسب لمحاسبة المتسببين باختطاف لقب الحكواتي وتحويل دلالته.
 فقد ظل الحكواتي قريباً من الهامشيين أكثر من قربه من السلطويين، يملأ ثغرات الزمن في أذهان المستمعين، ويسعى إلى إمتاعهم وتسليتهم لكن عبر قصد مبيّت وخفي لا يسعى إلى تبيانه إلا بثوب السرد القادر على التحويل والتلاعب اللفظي والبناء المختلف عبر شخوص ورقية وأمكنة مبتدعة وأحداث غير مسجلة بموثوقية في رفوف التاريخ ومستنداته، فحياة الحكواتي كلمات قبل أن تكون حياة عاشها وقبل أن تصبح إرثاً وموروثاً عاماً للناس، والحكواتي منزوع السلطة كما ذكرنا، فقد يكون «الحلاق» أو الجد أو الجدة أو الجار المُسن، وقد يكون رحالةً عاصر شعوباً وزار أمصاراً عديدة، يبدأ بنقل حكايته أو خرافته باستهلال صوتي فيقول: كان يا مكان، ويحكى أن...، فالصوت هنا يسبق اللغة، وتطوى معه سجادة الانتظار، ويبدأ أفق التلقي والتأويل بالتشكل، كل ذلك بفضل لغة الحكواتي الدافئة ذات الطابع الأمومي الحاني، وبفضل قدرته على الّتقمص والابتكار ونسج خيوط الحكاية وفق قيافة المستمعين الذين يتحولون إلى مستمع واحد، فينحازون إلى بطل القصة مهما كان دوره وطبيعته ونموذجه الإنساني الذي يُمثله، يدافعون عنه ويحزنون ويفرحون له وفق لحظات الشد والجذب التي يمارسها الحكواتي، فيغدو الحكواتي ملجأً للمستمعين يفرون إليه كلما ألمت بهم رغبة المغامرة وشعور الخوف والإخفاق والنجاح والسعادة، وهذا يعني أن وجود الحكواتي لم يكن صدفةً بل حاجة مجتمعية فرضتها طبقات الأجيال والرغبة في البحث عن مصائر شبيهة أو مختلفة، فبات كل مجلس يملك حكواتياً غير معلن.

أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية