محمد عبدالسميع
أكد باحثون وفنانون أهمية الفنون الأدائية الإماراتية، لما تمتلكه من سمات إبداعية يمكن الاستفادة منها في إبراز الهوية الوطنية، وتعزيز ترابط المجتمع الإماراتي وتقدمه الحضاري.
وقالوا لـ«الاتحاد»، في سياق الإعلان عن افتتاح «دار الفنون» عام 2030، إن هذه الفنون تشكل مكوناً رئيساً من مكونات الهوية الوطنية، وتقدم صورة حضارية في الحفاظ على التراث ومواكبة روح العصر، مؤكدين أن الفنون الأدائية ليست مجرد عروض فنية، بل نسق ثقافي يعكس منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية، إلى جانب الطابع الجمالي الذي تتميز به.
وأشاروا إلى أهمية المسرح الإماراتي، الذي عمل على توظيف هذه الفنون ونشر ما تشتمل عليه من قيم إماراتية أصيلة عززت روح التعاون والانتماء.
دعم الممارسين
يؤكد الباحث والكاتب الإماراتي علي العبدان أن الفنون الأدائية الإماراتية تشكل مكوناً رئيسياً من مكونات الهوية الوطنية، لما تحمله من قيم جمالية واجتماعية تعبر عن حياة الإنسان الإماراتي وتاريخه. ويرى أن الاهتمام بهذه الفنون لا يقتصر على صون أشكالها التقليدية، بل يشمل أيضاً دعم الممارسين ونقل المعارف المرتبطة بها إلى الأجيال الجديدة. كما تسهم الفنون الأدائية في تعزيز التلاحم المجتمعي، إذ تجمع الناس حول مناسبات مشتركة، وتقدم صورة حضارية عن الإمارات بوصفها دولة تحافظ على تراثها، وتواكب تطورات العصر.
الذاكرة الجمعية
وينطلق الدكتور أحمد سعد الدين عيطة، أستاذ فنون الأداء والباحث في الثقافة الشعبية الإماراتية والتراث الموسيقي، من أهمية الفنون الأدائية في دولة الإمارات، باعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث الثقافي غير المادي، وتعكس تاريخ المجتمع الإماراتي وقيمه وهويته الوطنية. ويؤكد أن دولة الإمارات أولت اهتماماً كبيراً بالحفاظ على هذه الفنون وتطويرها، لتبقى حاضرة في الذاكرة الجمعية، ووسيلة للتعبير عن الأصالة والانتماء.
ومن منظور أنثروبولوجي، يرى أن الفنون الأدائية الإماراتية ليست مجرد عروض فنية، بل هي نسق ثقافي يعكس منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية للمجتمع، فهي وسيلة للتعبير عن الهوية، وإعادة إنتاج الثقافة، وتعزيز التضامن الاجتماعي، وتأكيد الانتماء الوطني.
ويذكر عيطة أن من السمات التي تتميز بها الفنون الأدائية الإماراتية ارتباطها بالبيئة المحلية، حيث استلهمت موضوعاتها وإيقاعاتها من البحر والصحراء والجبال والواحات، فجاءت معبرة عن حياة الإنسان الإماراتي وتجربته اليومية. كما أنها تتسم بالطابع الجماعي، الذي يعزز روح التعاون والتلاحم بين أفراد المجتمع، فضلاً عن تنوعها تبعاً لاختلاف البيئات والمناسبات، وهو ما أكسبها ثراءً فنياً وثقافياً يعكس تعدد الروافد الحضارية التي أسهمت في تشكيل الشخصية الإماراتية.
وإلى جانب قيمتها الجمالية، تحمل هذه الفنون مضامين أخلاقية ووطنية تجسد الشجاعة والكرم والولاء والتسامح والانتماء، ويرى أن الحفاظ على الفنون الأدائية لا يعني مجرد صون أشكال تراثية قديمة، وإنما يمثل استثماراً في الذاكرة الوطنية والهوية الثقافية، إذ تكمن أهمية ذلك في حماية التراث الثقافي غير المادي، ونقله إلى الأجيال الجديدة، وتعزيز الشعور بالانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية، ومواجهة آثار العولمة، والمحافظة على الخصوصية الثقافية للمجتمع الإماراتي، وتوثيق الخبرات الشعبية والمعارف التقليدية المرتبطة بالأداء والموسيقى والحركة.
الأصالة والتجديد
ويرى الباحث والكاتب الدكتور محمد حمدان بن جرش أن الفنون الأدائية المسرحية في دولة الإمارات تتميز بقدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد، إذ تستلهم عناصرها من الموروث الشعبي، كالعيالة والرزفة والبحر والسرد الشفهي والحكاية الشعبية، ثم تعيد تقديمها بلغة مسرحية معاصرة تجمع بين الأداء التمثيلي والموسيقي والحركي، بما يجعلها أكثر قرباً من الإنسان المعاصر، دون أن تفقد هويتها الثقافية.
ويؤكد أن المسرح الإماراتي نجح في توظيف هذه الفنون بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، فلم يكتفِ باستحضارها عنصراً جمالياً، بل جعلها حاملة للقيم الإماراتية الأصيلة، مثل التسامح والتكاتف والانتماء واحترام الإنسان، فغدت العروض المسرحية مساحة يلتقي فيها التراث بالإبداع، ويتحول فيها الموروث إلى خطاب ثقافي حي يخاطب مختلف الأجيال.
وعلى المستوى المجتمعي، يرى بن جرش أن الفنون الأدائية أسهمت في تعزيز التماسك الاجتماعي، لانطلاقها من الذاكرة الجمعية للمجتمع الإماراتي، وإعادة إنتاجها في صورة فنية ترسخ الحوار والتفاهم بين مختلف فئات المجتمع، فضلاً عن إسهامها في تعريف المقيمين والزوار بخصوصية الثقافة الإماراتية، بما يعزز القوة الناعمة للدولة، ويواكب مشروعها الحضاري القائم على الانفتاح والتنوع واحترام الثقافات.
مسؤولية
ويقول الفنان علي خميس العشر، الباحث والخبير في التراث الفني بمعهد الشارقة للتراث، إن الفنون الأدائية الإماراتية تمثل جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية للمجتمع، فهي ليست مجرد ألوان من التعبير الفني، بل وسيلة لحفظ التاريخ، ونقل القيم والعادات والتقاليد من جيل إلى آخر.
وأكد أن ما يميز هذه الفنون ارتباطها بالبيئة المحلية، وتنوع إيقاعاتها وحركاتها الجماعية التي تعكس روح التعاون والانتماء، كما أن الحفاظ عليها مسؤولية ثقافية تضمن استمرار الهوية الإماراتية، ويمكن توظيفها في الفعاليات الوطنية والثقافية لتعريف العالم بجمال الموروث الإماراتي، وإبراز حضارته المتجذرة.
سمات
ويرى الفنان علي خميس أن فنون الأداء الإماراتية تشكل أحد مظاهر اتحاد إمارات الدولة، إذ تتسم بسمات إبداعية مشتركة، مع تميزها من حيث الأداء اللحني الذي يتنوع تبعاً للبيئة التي يستمد منها خصائصه، منوهاً بأن هذه الفنون الأصيلة تعبر عن خواطر الناس بصدق وتلقائية، وتعكس جانباً مهماً من الحياة الأولى بتفاصيلها، وما فيها من جهد ومعاناة في العمل.
ويلفت إلى أن مسارح الإمارات أُنشئت في ظل عباءة جمعيات الفنون الشعبية، لتكون ركيزة أساسية في تطوير هذا المجال بمختلف أشكاله، حيث اهتمت تلك الجمعيات بجميع أنواع الفنون الأدائية، من المسرح التقليدي إلى تقديم ألوان الفلكلور الشعبي الإماراتي، ونشر ثقافة الفنون الأدائية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية الوطنية.
وأوضح أنه في إطار جهود الدولة الرامية إلى إثراء الحراك الثقافي، وتعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية، بما يعكس تنوع المشهد الإبداعي في الإمارات، أُنشئت مؤسسات، مثل أكاديمية الشارقة للفنون الأدائية، وهيئة الثقافة والفنون في دبي، ومركز فنون الأداء في أبوظبي، إضافة إلى إطلاق مشروع «دار الفنون في أبوظبي»، الذي يُفتتح عام 2030، بهدف دعم أصحاب المواهب الفنية وتمكينهم، وتحفيزهم على تطوير مهاراتهم في مجالات المسرح والموسيقى والفنون الشعبية.